تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تنفيذ ما كانوا يمنون به العرب من الإصلاح وإعطاء الحقوق عقب المؤتمر العربي

الأول بباريس، لأن الشدائد هي التي تذهب الأحقاد، وتبعث على الإخلاص في

الاتحاد، وخفنا أن يكون ما أحدثوه من العصبية الجنسية سببا للتنازع الموجب

للفشل، ولأجل هذا كتبنا تلك المقالة التي نشرناها في الأهرام ثم في المنار بوصية

الشعب العربي بأن يسكت في أثناء الحرب عن مطالبة الدولة بالإصلاح، ويكون

مع الترك يدا واحدة وكلمة واحدة فيما تقتضيه حالة الحرب من حصر كل القوى في

الاستعداد للظفر، وكان لها ما كان من القبول والتأثير الحسن.

***

وعد الإنكليز باستقلال

العرب ومساعيهم معنا

في هذه الأثناء بلغنا بعض رجال الدولة البريطانية هنا بأن حكومتهم عزمت

على العطف على العرب ومساعدتهم بنفوذها الأدبي عند الدولة العثمانية على ما

يطلبون من الإصلاح إذا بقيت الدولة على الحياد الذي تتظاهر به، وأما إذا

انضمت إلى ألمانية في الحرب فإنها تساعدهم على الاستقلال وتكوين دولة عربية.

ولما اصطلت الدولة بنار الحرب وقع الرعب في قلوبنا، وكان أخوف ما نخاف

عليه بلادنا العربية؛ لأنها خالية من الحصون والمعاقل الحربية، وبعيدة عن مركز

القوة والسلاح في الدولة، ولم نلبث أن استدعانا بعض رجال الدولة البريطانية هنا،

وبلغونا ثانية أن دولتهم قررت باتفاق الأحزاب مساعدة العرب على الاستقلال في

جميع بلادهم، وأنها لا تبغي أخذ شيء منها، وإذا اضطرت إلى محاربة الترك فيها

فإنها تترك لهم كل ما تدخله منها بعد إخراج الترك منه، وأنهم يحبون أن يعرف

العرب هذا ويكونوا مطمئنين آمنين على أنفسهم من جانب البريطانيين، فلا

يتخذونهم أعداء، وقد جاءنا نبأ من مصدر عال في السودان بمثل ما بلغنا بمصر

عن بلاغ من لندن، ثم أطلعونا على منشور يريدون نشره في البلاد العربية بهذا

المعنى، فلم نر عبارته مفيدة ما وعدونا به، بل هي إيهام محض، فاقترحنا عليهم

أن يصرحوا فيه بالمراد تصريحا لا يحتمل التأويل، ككونهم يتعهدون باستقلال

هذه البلاد إذا ظفروا في الحرب، وبحمل حلفائهم على ذلك، وبعدم أخذ شيء من

البلاد العربية، لا باسم الفتح والامتلاك، ولا الحماية ولا الاحتلال، ولا بأي اسم

من أمثال هذه الأسماء، وبأنهم يخرجون من البلاد التي دخلوها كالفاو والبصرة،

والتي سيدخلونها من بعد بلا شرط ولا قيد. وبعد التشاور بينهم ومراجعة حكومتهم

العليا بلندن في ذلك حذفوا هذه القيود، وكانوا يرجون منا مساعدة بناء على تلك

الوعود، فكتبنا لهم مذكرة بعد مذكرة في الاحتجاج على ما ظهر لنا منهم، وبيان

خوف العرب على بلادهم من إنكلترة دون سواها واعتقادهم أنها هي الخصم لهم،

وتحذيرهم من الغرور بما تكتب جرائدهم وبعض الجرائد المداهنة لهم من وصفهم

بأنهم أصدقاء العرب، وأن العرب أصدقاؤهم، وبيان مكان الدولة العثمانية من

الإسلام والمسلمين، وما هم مستهدفون له من عداوة العالم الإسلامي لهم، وفي

مقدمته مسلمو الهند وجعلهم إلبا واحدا عليهم إذا هم استولوا على بلاد العراق

وسورية، ومنها البلاد المقدسة وما يترتب على ذلك من صيرورة الحجاز تحت

رحمة تصرفهم مع محاربتهم للدولة التي يعترف لها السواد الأعظم من المسلمين

بأنها دولة الخلافة، إذ يعتقدون حينئذ حقية ما تتهم به دولتهم من عزمها على إزالة

الحكم الإسلامي من الأرض، وأن السلطة الإسلامية في نظر المسلمين أهم المهمات،

وثانية عقيدة التوحيد؛ لأنها سياجها وحفاظها، وأن هذا هو السبب في تعلق

مسلمي الأرض بالدولة العثمانية وحبها. وبينا لهم في أول تلك المذكرات أن

الاستيلاء على البلاد العربية وحفظ السلطة الأجنبية فيها ليس بالأمر السهل، ولا

بالمركب المذلل، بل يحتاج إلى قوة برية كبيرة جدا لمنع الثورات إلخ.

كان غرضنا من هذه المذكرات إقناع الدولة البريطانية بأنه لا يمكن لها أن

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ١٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ١٩٨