تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة.

وورد في اللحية والشارب أخبار معللة بعلة أخرى، وهي مخالفة المشركين

والمجوس، ففي حديث ابن عمر في الصحيحين ومسند أحمد مرفوعا: (خالفوا

المشركين، وفروا اللحى وأحفوا الشوارب) زاد البخاري: وكان ابن عمر إذا حج

أو اعتمر قبض على لحيته، فما فضل أخذه - أي قصه - وفي حديث أبي هريرة

عند أحمد ومسلم: (جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس) .

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في أول الإسلام يحب مخالفة المشركين

وموافقة أهل الكتاب، ثم صار بعد الهجرة يأمر بمخالفة أهل الكتاب حتى في

الأمور الاجتماعية والعادية؛ لأن المسلمين كانوا في أول الإسلام مع المشركين في

مكة فكان يحب أن يمتازوا عنهم، وكانوا بعد الهجرة مخالطين لأهل الكتاب فكان

يحب أن يمتازوا عنهم، مثال ذلك أمره بصبغ الشيب، ففي حديث ابن عباس في

الصحيحين وسنن أبي داود والنسائي: (إن اليهود والنصارى لا يصبغون

فخالفوهم) وفي لفظ عنه للترمذي (غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود) .

والأمر في مثل هذه الأمور العادية ليس للوجوب الديني، والنهي عنها ليس

للتحريم كما قال الإمام الطبري، والظاهر أن الأمر فيها للإرشاد الذي يتعلق بمنافع

الدنيا ومصالحها كحديث: (كلوا الزيت وادهنوا به) رواه ابن ماجه والحاكم عن

أبي هريرة بسند صحيح وتتمته: (فإنه طيب مبارك) وعنه وعن غيره بأسانيد

ضعيفة وتتمة أخرى، هذا ما يوافق أصولهم، والمشهور عند أكثر الفقهاء أن هذه

الخصال كلها مستحبة إلا الختان، فقد قالوا بوجوبه للذكور، وقالت المالكية بوجوب

إعفاء اللحية، وقال الجمهور باستحباب إرسال شعر الرأس وفرقه، واستحباب

صبغ الشيب وخضابه لمخالفة الكفار كما ورد، فأما ما وصف بأنه من سنن الفطرة،

فالغرض منه أن تكون الأمور الفطرية، أي أمور الخلقة على أحسن حال في

حسن المنظر والنظافة والصحة، وأما ما ذكر لمخالفة أهل الملل فلأجل أن يكون

للمسلمين مشخصات وعادات حسنة خاصة بهم من حيث هم أمة جديدة جعلها دينها

إماما وقدوة لسائر أهل الملل في إصلاح أمور الدين والدنيا، وقد كان الفساد الديني

والاجتماعي عاما في جميع الأمم بإجماع المؤرخين.

أما قص الشارب، وأقل ما قال الفقهاء فيه أن تظهر الشفتان، وأكثره

استئصاله ولو بحلقه، فحكمته ظهور الفم وجماله، ومراعاة الصحة والنظافة، فإن

شعر الشاربين يعلق به الغبار ودسم الطعام وما فيه من جراثيم الأمراض، فإذا

شرب صاحبه من إناء دخل شعره فيه، فيؤثر في الشراب كما يؤثر الشراب فيه،

وقد يتعذر الإسراع بتنظيفه، كما يؤثر في الملاعق إذا أكل بها مائعا، ولا يزال

أكثر الناس يضطرون إلى الشرب من إناء واحد، والأكل من صحفة واحدة كأهل

العصور القديمة، ولا يخفى ما يترتب على ذلك، وأما كون إعفاء اللحية من سنن

الفطرة، فمعناه أنه زينة خص بها الرجل الذي هو أكمل من المرأة خلقا، فامتاز به

عليها كامتياز أكثر ذكور الحيوان على إناثها، ولم ترد مبالغة في إعفائها كما ورد

في إحفاء الشارب، بل قال ابن السيد: حمل بعضهم قوله: (أعفوا اللحى) على

الأخذ منها بإصلاح ما شذ منها طولا وعرضا، واستشهد بقول زهير:

على آثار من ذهب العفاء

وهو شاذ، وظاهر الرواية أن المراد به ترك حلقها كما كانت تفعل الأعاجم،

أو قصها قصا يقرب من الحلق بحيث تزول هذه الزينة وما فيها من المهابة، قال

الحافظ في شرح ما ذكرنا من زيادة البخاري في حديث ابن عمر المذكور آنفا:

الذي يظهر أن ابن عمر كان لا يخص هذا التخصيص بالنسك، بل كان يحمل

الأمر بالإعفاء على غير الحالة التي تتشوه فيها الصورة بإفراط طول شعر اللحية أو

عرضه، فقد قال الطبري: ذهب قوم إلى ظاهر الحديث فكرهوا تناول شيء من

اللحية من طولها ومن عرضها، وقال قوم: إذا زاد على القبضة يؤخذ الزائد

وذكر عنه الاستدلال بحديث ابن عمر وغيره، ثم قال: ثم حكى الطبري اختلافا

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ١٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ١٩٤