تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يلبسها من المسلمين أنه فضل على دينه دين القوم، فلا وجه إذا لجعلها أمارة على

الردة، ولا للقول بتحريمها، بل هذا التحريم شر من لبسها، وأشد خطرا على دين

القائل به؛ لأن معناه أن الله تعالى أنزل وحيه بخطاب يقتضي ترك لبسها اقتضاء

جازما، ويخبر بأن جزاء من لبسها العقاب في الآخرة، وهذه جرأة على الافتراء

على الله تعالى، والقول عليه بغير علم، وهذا كفر يتعدى شره إلى حمل الناس

على العمل به، فهو أغلظ من الشرك القاصر ضرره على صاحبه كما قاله بعض

العلماء في تفسير آية: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم

والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما

لا تعلمون} (الأعراف: 33) إذ قال: إن غلظ هذه المحرمات جاء فيها على

طريق الترقي، وإنما كان الأخير أغلظ مما قبله؛ لأنه شرك متعد، وما قبله شرك

قاصر، ومن اتبع قائله به بغير علم من نبأ الوحي فقد اتخذه ربا وشريكا لله كما علم

بالتفصيل من تفسير هذا الجزء من المنار والجزء الذي قبله، وقد حققنا مسألة الردة

في بعض الفتاوى من أجزاء هذا المجلد وفي مجلدات أخرى من المنار.

***

الجواب عن مسألة الصيام والفطر

بقول أهل الحساب أصحاب النتائج

هذا السؤال غريب من مثل سائله الفاضل، فهو يعلم أن حكم الشرع في صيام

رمضان والإفطار منه منوط برؤية الهلال إذا تيسر، وإلا فبإكمال عدة شعبان في

الصيام، وعدة رمضان في الإفطار ثلاثين يوما، وحكمة ذلك جعل العبادة ابتداء

وانتهاء مما يتيسر العلم بمواقيته لكل جماعة ولكل فرد من الأمة، وحكمة عدم نوط

هذا التوقيت بالحاسبين من علماء الفلك هو أن لا يكون أمر العبادة متوقفا على

أصحاب الفنون الذين لا يوجدون في كل مكان، وأن لا يكون لأمثال هؤلاء الأفراد

حكم فيها ولا رياسة، أو شبه رياسة دينية بسببها، ولعله لا يعلم أن أهل مصر

وتونس أنفسهم لا يعملون بهذه النتائج في الصيام والإفطار، بل بإثبات رؤية الهلال

أو إكمال العدة، ولكن قد يستعينون بها على الاستهلال فيرصدون الهلال في الليلة

التي تنص على أنه يرى فيها وفي المكان الذي يرى فيه بالنسبة إلى مغرب الشمس.

وقد استغربنا بناءه هذا السؤال على تعذر رؤية الهلال عليهم في أسبانية وهو

لم يبين سببه، وقد كانت هذه البلاد (الأندلس) في حكم الإسلام، وكانوا يرون

الهلال فيها، ولعل السائل ومن معه يقيمون في فندق أو دار لا يمكنهم الصعود إلى

سطحها، أو لا يرى مكان الهلال من الأفق للواقف على سطحها ويتعذر عليهم

رؤيته من سطح آخر أو من ضواحي البلد، فإذا تعذر عليهم ذلك بالفعل فلا يبعد أن

يقال إنهم يعملون بحسابهم أو حساب من يثقون بعلمه، إذا قال: إن الهلال في ذلك

البلد أو في أفقه أو يولد في وقت كذا، ويمكن رؤيته بالأبصار في ليلة كذا، فالليلة

التي يمكن أن يرى فيها الهلال بالفعل هي أول الشهر الشرعي.

واختلاف المطالع ثابت قطعا، فلا يصح اعتماد من في أسبانية على نتائج

مصر أو تونس بجعل أول الشهر فيها هو أول الشهر في مدريد.

***

الجواب عن مسألة حلق اللحى

هذا المسألة وأمثالها مما سيأتي ليست دينية مما يعبد الله به فعلا أو تركا، وإنما

هي من الأمور العادية المتعلقة بالزينة والتجمل والنظافة، وقد سميت في الأحاديث

الواردة فيها سنن الفطرة، أي العادات المتعلقة بحسن الخلقة، ففي حديث أبي

هريرة عند الجماعة (أحمد والشيخين وأصحاب السنن الأربعة) قال رسول الله

صلى الله عليه وسلم: (خمسة من الفطرة: الاستحداد - أي حلق العانة - والختان

وقص الشارب ونتف الإبط وتقليم الأظفار) ، وفي حديث عائشة مرفوعا عند أحمد

ومسلم والترمذي والنسائي: (عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية،

والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط،

وحلق العانة، وإنقاص الماء (أي الاستنجاء) ، قال مصعب بن شيبة راويه:

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ١٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ١٩٣