تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأكتفي بشاهد من الشواهد على ذلك:

رأيت رجلا مالكيا معمما لا أعرفه يذكر لفقيه مالكي أعرفه ما ذكره هؤلاء من

الشروط في ماسح الخف، وفي الخف الذي يجوز المسح عليه ككونه من الجلد

وكونه مخروزا، وأنه إذا كان ملصقا لا يجوز المسح عليه إلخ.

فقلت له: ما الدليل على هذه الشروط في المذهب؟ قال: قاعدة الإمام مالك في

الاتباع في العبادات، والتزام ما ثبت في الكتاب والسنة، وهكذا كانت الخفاف في

عصر النبي صلى الله عليه وسلم. قلت: إن هذا مخالف لمذهب الإمام مالك كل

المخالفة، فإنه لم يرد في الكتاب ولا في السنة أن الخف الذي يجوز المسح عليه

يجب أن يكون جلدا وأن يكون مخروزا، ولا دليل أن الخفاف كلها كانت كذلك،

وإذا ثبت كونها كذلك بالفعل فذلك لا يدل على الشرطية لا عند أهل الاتباع المحض

ولا عند أهل الرأي في التعبد، مثال ذلك المطابق له المسح على العمامة، قد ثبت في

السنة، فهل يشترط في مسحنا العمامة أن تكون كعمامة الرسول صلى الله عليه

وسلم في صفات نسيجها ككونها من القطن أو الصوف؟ وكونه من نسيج اليمن أو

غيرها وكون طولها كذا ذراعا؟

إن من الأصول التي لا يتمارى فيها عاقلان أن أمثال هذه الصفات والأحوال

التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في لباسهم وأكلهم وشربهم

وهيئاتهم حتى في وقت أداء العبادة لا تعد من فرائض الدين، ولا من شروط صحة

العبادة، ولا من المندوبات الشرعية لمجرد كونهم عليها، وإنما يتحقق كون الشيء

واجبا أو شرطا أو مندوبا بنص شرعي يدل عليه دلالة صحيحة، والجمهور لا

يعدون فعله صلى الله عليه وسلم دالا على الوجوب إلا إذا كان بيانا لمجمل.

وجملة القول أن جماهير المصنفين من خلف هذه الأمة قد خالفوا سلفها

وعسروا يسر شريعتها حتى أدخلوا الأمة في جحر الضب الذي حذرهم منه الرسول

صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: (ولتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر

وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه) وقد صبر المسلمون قرونا على

الحبس في جحر الضب، ثم ضاقوا به ذرعا حتى خرج بعضهم منه من غير الباب

الذي دخلوا منه، فمرقوا من الإسلام وحسبوا أنه هو جحر الضب لا سواه، وأنه لا

قبل لهم به، ودعاة الإصلاح يريدون أن يخرجوهم إلى حقيقة الإسلام وهو الباب

الذي دخلوا منه إذ أوهمهم المعسرون أنه هو الإسلام، وما الإسلام إلا القرآن وسنة

الرسول في بيانه على الوجه الذي كان عليه جماعة السلف الذين أمر رسول الله

بلزوم جماعتهم، فكان إجماعهم حجة فيما اتفقوا على أنه دين.

وفي هذا المقام أحتج على المقلدين بعلم إمام من الأئمة المجتهدين وأجعله

شاهدا ثانيا على ما ذكرته من معنى مذاهبهم ومخالفة من يدعون اتباعهم لها.

قال الإمام الشافعي - رحمه الله - في أول باب الإجماع من رسالته بعد

تفصيل الكلام في الكتاب والسنة: وقامت الحجة بما قلت بأن لا يحل لمسلم علم

كتابا ولا سنة أن يقول بخلاف واحد منهما. فقال: لا يحل لمسلم، ولم يقل:

لمجتهد، وهو نكرة منفية تفيد العموم، ثم بين في هذا الباب لمن سأله عن الحجة

على العمل بالإجماع أن الجماعة التي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بلزومها هي

جماعة الصحابة، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وهم الذين لا تعزب سنن

رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عامتهم (أي جملتهم وسوادهم الأعظم) وقد

تعزب عن بعضهم، وقال في آخر الفصل: فلم يكن للزوم جماعتهم معنى إلا ما

عليه جماعتهم من التحليل والتحريم والطاعة فيهما.

وهذا ظاهر كالشمس، وهو غير الإجماع الأصولي الذي لا تقوم عليه حجة.

إذا تمهد هذا فهاك أجوبة الأسئلة:

الجواب عن مسألة الزي

إن ما قاله الفقهاء في الزنار ونحوه لا ينطبق على حالكم في لبس ثياب

الإفرنج؛ لأنها ليست من الزي الديني ولا تلبسونها بالقصد الذي قالوه، ونوضح

المسألة ببعض ما سبق لنا تفصيله في المجلد الأول والسادس وغيرهما فنقول:

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ١٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ١٩١