تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأزمنة والأمكنة التي كانوا فيها، فجعلوا الحنيفية السمحة التي رفع الله منها الحرج

وبناها على أساس اليسر دون العسر من أعسر الشرائع فهما، وأثقلها على البشر

حملا، حتى هجر جل أهلها دراستها، وترك أكثرهم العمل بأكثر أحكامها، وما

جاء هذا كله إلا من توسع هؤلاء المصنفين في تلك الكتب المطولة في الفقه التي

يقل فيها ذكر القرآن والأحاديث النبوية، ويكثر فيها قال فلان، وصحح فلان،

ورجح فلان، ومن معجزات هذا الدين أن كل ما صح في كتاب الله تعالى وما بينه

من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم في منتهى اليسر والسماحة، كما صح في

وصف هذه الشريعة، وكل ما أشرنا إليه من العسر إنما هو اجتهاد من أولئك

المصنفين في الفقه بعد عصر السلف الصالحين وأكثرهم غير مجتهدين، ولا على

سيرة من ادعوا اتباعهم من المجتهدين، فمن تقيد بتقليد هؤلاء يتعذر أو يتعسر عليه

أن يكون مسلما قائما بأمر دينه كما يجب، ولقد كان الأعرابي في عصر السعادة

يسلم بين يدي الرسول ويتعلم دينه في مجلس واحد، ويقسم أنه لا يزيد على ما علم

بوجوبه عليه ولا ينقص منه، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم فيه: (أفلح إن

صدق) أو (دخل الجنة إن صدق) كما ورد في الصحيحين وغيرهما.

وأنت تعلم أن الأئمة المجتهدين من علماء الأمصار المتبعين لم يجيزوا

لأنفسهم أن يكونوا شارعين، وأن يكون كلامهم دينا يتبع؛ لأن من انتحل هذا فقد

جعل نفسه شريكا لرب العالمين كما بيناه في التفسير من هذا الجزء والذي قبله،

وإنما استنبطوا ما استنبطوا لأجل فتح أبواب الفهم في النصوص مع إرشاد الناس

إلى أنه لا يجوز لأحد أن يقلدهم فيه، وإنما يعمل به من ظهر له مع النظر في الكتاب

والسنة أنه هو الحق الذي شرعه الله، وقد بين ذلك المزني صاحب الإمام الشافعي

في أول مختصره الفقهي بقوله بعد البسملة: اختصرت هذا الكتاب من علم محمد

ابن إدريس الشافعي - رحمه الله - ومن معنى قوله؛ لأقربه على من أراده مع

إعلاميه نهيه عن تقليده وتقليد غيره لينظر فيه لدينه ويحتاط فيه لنفسه، وبالله

التوفيق.

وكان جميع الأئمة على هذا، ولو لم يكونوا عليه لما صح أن يكونوا أئمة

هادين مهتدين، وقد دخل القعنبي على الإمام مالك، وهو في مرض موته فرآه

يبكي فسأله عن سبب بكائه، فأخبره أنه ما بلغه من أن الناس يعملون بأقواله مع أنه

قد يقول القول ثم يظهر له خطؤه فيرجع عنه، فقد خشي أن يضل الناس به عن

شرعهم ونصوص كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

وأذكرك مع علمك بهذا أن مذهب المجتهد عبارة عن الطريق الذي سلكه في

فهم الشريعة من الدلائل وأصول الاستنباط المعروفة في الأصول، فهذا ما يصح

للفقيه على مذهبه أن يجري عليه إذا كان مقتنعا بصحته، وليس معناه أن يأخذ

فروعه المستنبطة فيجعلها أصولا للدين يستنبط منها أحكاما ويقيس عليها أخرى

بحسب فهمه، ويسمي هذا شرع الله في الإيمان والكفر وعبادة الله والحلال والحرام،

مع ما عظم من أمر التشريع وجعل انتحاله واتباع منتحله من الشرك والافتراء

على الله، وبهذا تعلم أن هؤلاء المقلدين المؤلفين في الفقه ليسوا متبعين - في كل ما

قالوه في كتبهم - لمذاهب الأئمة الذين يدعون أن هذا الفقه فقههم.

مثال ذلك: أن مذهب الإمام مالك اتباع نصوص الكتاب والسنة في العبادات

والوقوف مع ظواهر النصوص وفهم أهل الصدر الأول لها وعملهم بها، ولا سيما

أهل المدينة في زمنه، دون الدوران فيها مع العلل والحكم، وما يسمونه المعنى

المناسب، ومذهبه في أحكام المعاملات والعادات مراعاة مقاصد الشرع والمصالح

العامة المعروفة من أصوله لا مجرد ظواهر الألفاظ كما بينه العلامة الشاطبي في

الاعتصام وغيره، وهو معروف مشهور عنه، وترى بعض الفقهاء خرجوا عن

أصل مذهبه المذكور في مسائل كثيرة من العبادات بحجة اتباعه والعمل به،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ١٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ١٩٠