مقصودة بالذات، ولأنها لم تخلق إلا لأهلها؟ فما داموا فيها فهي دائمة، فهم المحور
الذي يدور عليه الجزاء بقاء وفناء، لا النار التي لم تكن لولاهم، ولم توجد إلا لهم،
فكيف عكس الأمر رحمه الله وجعل الأخبار دائرة حول النار ولها؟ فإن قيل: إنهم
خلقوا لها كما قال تعالى: ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس﴾ (الأعراف: 179) إلخ، قلنا: هذا يدل على بقائها أيضا، وكان خلقهم
أدل على بقائها؛ إذ قال الله تعالى: ﴿وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم﴾ (المائدة: 37) وقد أخبر الله تعالى عن بقاء النار وأهلها بكل لفظ أخبر به عن
بقاء الجنة وأهلها، يعلم هذا من قرأ القرآن وتدبره، فكما قال تعالى في الجنة:
] خالدين فيها أبدا [، كذلك قال في النار، فلا يستطيع أحد بعد هذا أن يوجد فرقا
بين الخبرين واللفظ واحد، ولئن قال في الجنة: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ (هود:
108) ، فقد قال في النار: ﴿عذاب مقيم﴾ (المائدة: 37) ، بل قال في الجنة
بهذا اللفظ: ﴿نعيم مقيم﴾ (التوبة: 21) ولا ريب أن النعيم المقيم هو وغير
المجذوذ شيء واحد في الدلالة، زد على ذلك أن الله تعالى أخبر أن أهل النار لا
يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، وهذا نحو قوله: لا يدخلونها أبدا،
وليس بعد هذا قاطع لأطماع الطامعين في الجنة الهاربين من النار، فقد عبر لهم
بأعظم محال وهو دخول جسم عظيم في خرق صغير، ومتى يلج الجمل في سم
الخياط ويسوغ في العقل دخوله فيه حتى يسوغ دخول الجنة لمن ليس من أهلها ولم
يخلق لها؟ أيكذب الله نفسه أم تكون عبثا حكمته؟ يقول: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا
من الجن والإنس} (الأعراف: 179) ، ثم يعيدهم إلى الجنة، هذا محال، وقد
ذكرنا ما قالوه في الاستثناء (بإلا ما شاء الله) ورد أقوالهم كلها، ولم يختر إلا
الوجه الذي يدل على مخالفة (إلا) لما قبلها، وذكر المشيئة هنا وفي هود دال
على ثبوت هذه الصفة لله تعالى لا غير، وأنه لا مكره له فيما يفعل، وقد أكد هذا
المعنى في سورة هود بقوله تعالى: ﴿إن ربك فعال لما يريد﴾ (هود: 107)
وكثيرا ما تذكر المشيئة في القرآن لهذا الغرض؛ كقوله تعالى: {وما تشاءون
إلا أن يشاء الله} (الإنسان: 30) ، ومن أهل العربية من قال في استثناء سورة
سبح: ﴿سنقرئك فلا تنسى * إلا ما شاء الله﴾ (الأعلى: 6-7) - وهو كالذي هنا
- لم يشأ الله أن تنسى شيئا، وذكر ابن جرير هذا القول، وقال - وهو كقوله -:
﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ (هود: 107) ، ولا
يشاء، قال: وأنت قائل في الكلام لأعطينك كل ما سألت إلا ما شئت، وإلا أن أشاء
أن أمنعك والنية ألا تمنعه، ولا تشاء شيئا، وعلى هذا مجاري الإيمان يستثنى فيها
ونية الحالف التمام اه.
وترى المحدثين يقولون في السند: صحيح إن شاء الله. ويذكرونها غير
مقصود بها تعليق شيء عليها، بل يذكرونها فيما وقع تبركا واستذكارا أن ما شاء الله
كان، وما لم يشأ لم يكن، وهو سبحانه لا يشاء إلا ما وافق الحكمة.
فأنت - أيدك الله - ترى أن الأخبار عن الصحابة غير ثابتة، ولو ثبتت لما
كان فيها دليل على الفناء، بل تؤول على الخارجين منها، وترى الآيات القرآنية
مصرحة بخلود وأبدية أهل النار فيها، وأن الجنة محرمة عليهم، ودخولها محال
عليهم كدخول الجمل في سم الخياط، ولئن لم تدل هذه الآيات على كثرتها وذكر
ألفاظ بقاء أهلها فيها وتنوعها من الخلود للإقامة للأبدية إلى غير ذلك، لئن لم تدل
على بقاء النار وعدم فنائها بالمطابقة، فلعمر الله لقد دلت عليه باللزوم والاضطرار،
كدلالة وجود السقف على الجدار، فما داموا خالدين فيها أبدا فهي خالدة أبدا، إلا إن
ادعى مدع أن خالدين، وأبدا، ومقيما، وما شاكلها لا تدل دائما على البقاء وعدم
التحول فيكون لنا إذن أن نرد هذه الدعوى بالكتاب والسنة أيضا واللغة التي بها نزل