الجمع وثبت تأخر أحدهما فالمتأخر يقال له: الناسخ، والمتقدم يطلق عليه:
المنسوخ.
وقد ألف في ناسخ الحديث ومنسوخه جمع كثير منهم أحمد بن إسحاق
الديناري [58] ومحمد بن بحر الأصبهاني [59] وأحمد بن محمد النحاس [60] وأبو
محمد قاسم بن أصبغ [61] ومحمد بن عثمان المعروف بالجعد الشيباني، وهبة الله
بن سلامة [62] ، ومحمد بن موسى الجازمي [63] في كتابه الاعتبار في ناسخ الحديث
ومنسوخه، وأبو حفص عمر بن شاهين [64] ، وقد اختصر كتابه إبراهيم بن علي
المعروف بابن عبد الحق [65] في مجلد، وللإمام عبد الكريم بن هوازن القشيري
كتاب في ذلك أيضا.
***
علم تلفيق الحديث
هو علم يبحث فيه عن التوفيق بين الأحاديث المتناقضة ظاهرا، إما
بتخصيص العام تارة، أو بتقييد المطلق أخرى، أو بالحمل على تعدد الحادثة، إلى
غير ذلك من وجوه التأويل، ويطلق عليه مختلف الحديث.
وممن ألف فيه الإمام محمد بن إدريس الشافعي [66] ، ولكنه لم يقصد استيعابه،
وعبد الله بن مسلم المعروف بابن لميتبة [67] وأبو يحيى زكريا بن يحيى
الساجي [68] والطحاوي [69] ، ولأبي الفرج بن الجوزي [70] التحقيق في أحاديث
الخلاف، وقد اختصره إبراهيم بن علي بن عبد الحق.
***
علل الحديث
معرفة علل الحديث من أجل علوم الحديث وأدقها وأشرفها، ولا يقف عليها
إلا من رزقه الله فهما ثاقبا وحفظا واسعا ومعرفة تامة بمراتب الرواة، وملكة قوية
بالأسانيد والمتون، ولهذا لم يتكلم فيه إلا القليل من أهل هذا الشأن، وعلل الحديث
عبارة عن أسباب خفية غامضة قادحة فيه من وصل منقطع أو رفع موقوف أو
إدخال حديث في حديث أو نحو ذلك، وكل هذا مما يقدح في صحة الحديث.
وممن كتب في هذا النوع ابن المديني [71] وابن أبي حاتم [72] وكتابه قيم،
والخلال [73] ، والإمام مسلم [74] وعلي بن عمر الدارقطني [75] ، ومحمد بن عبد الله
الحاكم [76] وأبو علي حسن بن محمد الزجاجي، وألف فيه أيضا ابن الجوزي.
***
علم مصطلح الحديث
أول من ألف في علوم الحديث أو مصطلحاته - في غالب - الظن القاضي
أبو محمد الرامهرمزي [77] في كتابه المحدث الفاصل بين الراوي والسامع، وقد
وجدت قبله مصنفات، لكن في بعض فنون الحديث فقط، وكتابه أجمع ما جمع في
زمانه وإن لم يستوعب، ثم توسع العلماء في هذا الفن، وأول من تصدى لذلك الحاكم
محمد بن عبد الله النيسابوري، وقد اشتمل كتابه على خمسين نوعا، لكنه لم يرتب
ولم يهذب، وتلاه أبو نعيم الأصبهاني فعمل على كتابه مستخرجا، وأبقى أشياء
للمتعقب، ثم جاء أحمد بن علي المعروف بالخطيب [78] ، فصنف في قوانين الرواية
كتابا سماه الكفاية، وفي آدابها كتابا سماه الجامع لآداب الشيخ والسامع، وقل فن من
فنون الحديث إلا وقد صنف فيه كتابا، فكان كما قال ابن نقطة: كل من أنصف علم
أن المحدثين بعد الخطيب عيال على كتبه. ثم جاء بعد الخطيب من أخذ من هذا العلم
بنصيب، فجمع القاضي عياض [79] كتابا لطيفا سماه الإلماع، وأبو حفص الميانجي
جزءا سماه ما لا يسع المحدث جهله، ثم ألف الحافظ أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن
المعروف بابن الصلاح [80] كتابه الشهير المطبوع، ذكر فيه خمسة وستين نوعا، وقد
اعتنى به العلماء عناية عظيمة بين معارض له أو منتصر، أو ناظم له أو مختصر،
أو شارح له أو مستدرك عليه، ومن المختصرين له: محيي الدين يحيى بن شرف
النووي [81] في كتابه الإرشاد، ثم اختصر مختصره في كتابه التقريب والتيسير، وقد
شرح السيوطي التقريب بكتابه تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، وهو من
أجل الشروح، وقد عمل الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي [82] ألفية
لخص فيها علوم ابن الصلاح، وزاد عليها أولها:
يقول راجي ربه المعتذر ... عبد الرحيم بن الحسين الأثري
وقد أتمها سنة 768 وعمل عليها شرحا سماه فتح المغيث أتمه سنة 771، وقد