﴿ وإذ نتقنا الجبل فوقهم ﴾ أي قلعناه ورفعناه فوقهم وأصل النتق الجذب. ﴿ كأنه ظلة ﴾ سقيفة وهي ما أظلك. ﴿ وظنوا ﴾ وتيقنوا. ﴿ أنه واقع بهم ﴾ ساقط عليهم لأن الجبل لا يثبت في الجو ولأنهم كانوا يوعدون به، وإنما أطلق الظن لأنه لم يقع متعلقه وذلك أنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة لثقلها فرفع الله الطور فوقهم. وقيل لهم إن قبلتم ما فيها وإلا ليقعن عليكم. ﴿ خذوا ﴾ على إضمار القول أي وقلنا خذوا أو قائلين خذوا. ﴿ ما ءاتينكم ﴾ من الكتاب. ﴿ بقوة ﴾ بجد وعزم على تحمل مشاقه، وهو حال من الواو. ﴿ واذكروا ما فيه ﴾ بالعمل به ولا تتركوه كالمنسي. ﴿ لعلكم تتقون ﴾ قبائح الأعمال ورذائل الأخلاق.
﴿ وإذ أخذ ربك من بنى ءادم من ظهورهم ذريتهم ﴾ أي أخرج من أصلابهم نسلهم على ما يتوالدون قرنا بعد قرن، و ﴿ من ظهورهم ﴾ بدل ﴿ من بنى ءادم ﴾ بدل البعض. وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب «ذرياتهم». ﴿ وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا ﴾ أي ونصب لهم دلائل ربوبيته وركب في عقولهم ما يدعوهم إلى الاقرار بها حتى صاروا بمنزلة من قيل لهم: ﴿ قالوا بلى ﴾ فنزل تمكينهم من العلم بها وتمكنهم منه بمنزلة الإشهاد والاعتراف على طريقة التمثيل ويدل عليه قوله: ﴿ أن تقولوا يوم القيمة ﴾ أي كراهة أن تقولوا.
﴿ إنا كنا عن هذا غفلين ﴾ لم ننبه عليه بدليل.
﴿ أو تقولوا ﴾ عطف على ﴿ أن تقولوا ﴾ ، وقرأ أبو عمرو كليهما بالياء لأن أول الكلام على الغيبة. ﴿ إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم ﴾ فاقتدينا بهم لأن التقليد عند قيام الدليل والتمكن من العلم به لا يصلح عذرا. ﴿ أفتهلكنا بما فعل المبطلون ﴾ يعني آباءهم المبطلين بتأسيس الشرك. وقيل لما خلق الله آدم أخرج من ظهره ذرية كالذر وأحياهم وجعل لهم العقل والنطق وألهمهم ذلك لحديث رواه عمر رضي الله تعالى عنه، وقد حققت الكلام فيه في شرحي لكتاب «المصابيح»، والمقصود من إيراد هذا الكلام ها هنا الزام اليهود بمقتضى الميثاق العام بعد ما ألزمهم بالميثاق المخصوص بهم، والاحتجاج عليهم بالحجج السمعية والعقلية ومنعهم عن التقليد وحملهم على النظر والاستدلال كما قال:
﴿ وكذلك نفصل الآيت ولعلهم يرجعون ﴾ أي عن التقليد واتباع الباطل.
﴿ واتل عليهم ﴾ أي على اليهود. ﴿ نبأ الذي آتيناه آياتنا ﴾ هو أحد علماء بني إسرائيل، أو أمية بن أبي الصلت فإنه كان قد قرأ الكتب وعلم أن الله تعالى مرسل رسولا في ذلك الزمان، ورجا أن يكون هو فلما بعث محمد عليه السلام حسده وكفره به، أو بلعم بن باعوراء من الكنعانيين أوتي علم بعض كتب الله، ﴿ فانسلخ منها ﴾ من الآيات بأن كفر بها وأعرض عنها. ﴿ فأتبعه الشيطن ﴾ حتى لحقه وقيل استتبعه. ﴿ فكان من الغاوين ﴾ فصار من الضالين. روي أن قومه سألوه أن يدعو على موسى ومن معه فقال: كيف أدعو على من معه الملائكة، فألحوا حتى دعا عليهم فبقوا في التيه.