7.79
﴿ فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين ﴾ ظاهره أن توليه عنهم كان بعد أن أبصرهم جاثمين، ولعله خاطبهم به بعد هلاكهم كما خاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل قليب بدر وقال:
" إنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا ".
أو ذكر ذلك على سبيل التحسر عليهم.
7.80-86
﴿ ولوطا ﴾ أي وأرسلنا لوطا. ﴿ إذ قال لقومه ﴾ وقت قوله لهم أو واذكر لوطا وإذ بدل منه. ﴿ أتأتون الفاحشة ﴾ توبيخ وتقريع على تلك الفعلة المتمادية في القبح. ﴿ ما سبقكم بها من أحد من العالمين ﴾ ما فعلها قبلكم أحد قط. والباء للتعدية ومن الأولى لتأكيد النفي والاستغراق، والثانية للتبعيض. والجملة استئناف مقرر للإنكار كأنه وبخهم أولا بإتيان الفاحشة ثم باختراعها فإنه أسوأ.
﴿ أنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء ﴾ بيان لقوله: ﴿ أتأتون الفاحشة ﴾ وهو أبلغ في الإنكار والتوبيخ، وقرأ نافع وحفص «إنكم» على الإخبار المستأنف، وشهوة مفعول له أو مصدر في موقع الحال وفي التقييد بها وصفهم بالبهيمية الصرفة، وتنبيه على أن العاقل ينبغي أن يكون الداعي له إلى المباشرة طلب الولد وبقاء النوع، لا قضاء الوطر. ﴿ بل أنتم قوم مسرفون ﴾ إضراب عن الإنكار إلى الإخبار عن حالهم التي أدت بهم إلى ارتكاب أمثالها وهي اعتياد الإسراف في كل شيء، أو عن الإنكار عليها إلى الذم على جميع معايبهم، أو عن محذوف مثل لا عذر لكم فيه بل أنتم قوم عادتكم الإسراف.
﴿ وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم ﴾ أي ما جاؤوا بما يكون جوابا عن كلامه، ولكنهم قابلوا نصحه بالأمر بإخراجه فيمن معه من المؤمنين من قريتهم والاستهزاء بهم فقالوا: ﴿ إنهم أناس يتطهرون ﴾ أي من الفواحش.
﴿ فأنجيناه وأهله ﴾ أي من آمن به. ﴿ إلا امرأته ﴾ استثناء من أهله فإنها كانت تسر الكفر. ﴿ كانت من الغابرين ﴾ من الذين بقوا في ديارهم فهلكوا والتذكير لتغليب الذكور.
﴿ وأمطرنا عليهم مطرا ﴾ أي نوعا من المطر عجيبا وهو مبين بقوله:
وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل
[الحجر: 74] ﴿ فانظر كيف كان عقبة المجرمين ﴾ روي: أن لوط بن هاران بن تارح لما هاجر مع عمه إبراهيم عليه السلام إلى الشام نزل بالأردن، فأرسله الله إلى أهل سدوم ليدعوهم إلى الله وينهاهم عما اخترعوه من الفاحشة، فلم ينتهوا عنها فأمطر الله عليهم الحجارة فهلكوا. وقيل خسف بالمقيمين منهم وأمطرت الحجارة على مسافريهم.
﴿ وإلى مدين أخهم شعيبا ﴾ أي وأرسلنا إليهم، وهم أولاد مدين بن إبراهيم خليل الله شعيب بن ميكائيل بن بسجر بن مدين، وكان يقال له خطيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لحسن مراجعته قومه. ﴿ قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم ﴾ يريد المعجزة التي كانت له وليس في القرآن أنها ما هي، وما روي من محاربة عصا موسى عليه الصلاة والسلام التنين وولادة الغنم التي دفعها إليه الدرع خاصة وكانت الموعودة له من أولادها، ووقوع عصا آدم على يده في المرات السبع متأخرة عن هذه المقاولة، ويحتمل أن تكون كرامة لموسى عليه السلام أو إرهاصا لنبوته.
﴿ فأوفوا الكيل ﴾ أي آلة الكيل على الإضمار، أو إطلاق الكيل على المكيال كالعيش على المعاش لقوله: ﴿ والميزان ﴾ كما قال في سورة «هود» ﴿ أوفوا المكيال والميزان ﴾ أو الكيل ووزن الميزان، ويجوز أن يكون الميزان مصدرا كالميعاد. ﴿ ولا تبخسوا الناس أشياءهم ﴾ ولا تنقصوهم حقوقهم، وإنما قال أشياءهم للتعميم تنبيها على أنهم كانوا يبخسون الجليل والحقير والقليل والكثير. وقيل كانوا مكاسين لا يدعون شيئا إلا مكسوه. ﴿ ولا تفسدوا فى الأرض ﴾ بالكفر والحيف. ﴿ بعد إصلحها ﴾ بعدما أصلح أمرها أو أهلها الأنبياء وأتباعهم بالشرائع، أو أصلحوا فيها والإضافة إليها كالإضافة في ﴿ بل مكر اليل والنهار ﴾. ﴿ ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين ﴾ إشارة إلى العمل بما أمرهم به ونهاهم عنه، ومعنى الخيرية إما الزيادة مطلقا أو في الإنسانية وحسن الأحدوثة وجمع المال.