7.44-50
﴿ ونادى أصحب الجنة أصحب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا ﴾ إنما قالوه تبجحا بحالهم وشماتة بأصحاب النار وتحسيرا لهم، وإنما لم يقل ما وعدكم كما قال ﴿ ما وعدنا ﴾ لأن ما ساءهم من الموعود لم يكن بأسره مخصوصا وعده بهم، كالبعث والحساب ونعيم أهل الجنة. ﴿ قالوا نعم ﴾ وقرأ الكسائي بكسر العين وهما لغتان. ﴿ فأذن مؤذن ﴾ قيل هو صاحب الصور. ﴿ بينهم ﴾ بين الفريقين. ﴿ أن لعنة الله على الظلمين ﴾ وقرأ ابن كثير في رواية للبزي وابن عامر وحمزة والكسائي ﴿ أن لعنة الله ﴾ بالتشديد والنصب. قرىء ﴿ إن ﴾ بالكسر على إرادة القول أو إجراء أذن مجرى قال.
﴿ الذين يصدون عن سبيل الله ﴾ صفة للظالمين مقررة، أو ذم مرفوع أو منصوب. ﴿ ويبغونها عوجا ﴾ زيغا وميلا عما هو عليه، والعوج بالكسر في المعاني والأعيان ما لم تكن منتصبة، وبالفتح ما كان في المنتصبة، كان في المنتصبة كالحائط والرمح. ﴿ وهم بالأخرة كفرون ﴾.
﴿ وبينهما حجاب ﴾ أي بين الفريقين لقوله تعالى:
فضرب بينهم بسور
[الحديد: 13] أو بين الجنة والنار ليمنع وصول أثر إحداها إلى الأخرى. ﴿ وعلى الأعراف ﴾ وعلى أعراف الحجاب أي أعاليه، وهو السور المضروب بينهما جمع عرف مستعار من عرف الفرس وقيل العرف ما ارتفع من الشيء فإنه يكون لظهوره أعرف من غيره. ﴿ رجال ﴾ طائفة من الموحدين قصروا في العمل فيحبسون بين الجنة والنار حتى يقضي الله سبحانه وتعالى فيهم ما يشاء وقيل قوم علت درجاتهم كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أو الشهداء رضي الله تعالى عنهم، أو خيار المؤمنين وعلمائهم، أو ملائكة يرون في صورة الرجال. ﴿ يعرفون كلا ﴾ من أهل الجنة والنار. ﴿ بسيمهم ﴾ بعلامتهم التي أعلمهم الله بها كبياض الوجه وسواده، فعل من سام إبله إذا أرسلها في المرعى معلمة، أو من وسم على القلب كالجاه من الوجه، وإنما يعرفون ذلك بالإلهام أو تعليم الملائكة. ﴿ ونادوا أصحب الجنة أن سلم عليكم ﴾ أي إذا نظروا إليهم سلموا عليهم. ﴿ لم يدخلوها وهم يطعمون ﴾ حال من الواو على الوجه الأول ومن أصحاب على الوجوه الباقية.
﴿ وإذا صرفت أبصرهم تلقاء أصحب النار قالوا ﴾ نعوذ بالله. ﴿ ربنا لا تجعلنا مع القوم الظلمين ﴾ أي في النار.
﴿ ونادى أصحب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيمهم ﴾ من رؤساء الكفرة. ﴿ قالوا ما أغنى عنكم جمعكم ﴾ كثرتكم أو جمعكم المال. ﴿ وما كنتم تستكبرون ﴾ عن الحق، أو على الخلق. وقرىء «تستكثرون» من الكثرة.
﴿ أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ﴾ من تتمة قولهم للرجال، والإشارة إلى ضعفاء أهل الجنة الذين كانت الكفرة يحتقرونهم في الدنيا ويحلفون أن الله لا يدخلهم الجنة ﴿ ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون ﴾ أي فالتفتوا إلى أصحاب الجنة وقالوا لهم ادخلوا وهو أوفق للوجوه الأخيرة، أو فقيل لأصحاب الأعراف ادخلوا الجنة بفضل الله سبحانه وتعالى بعد أن حبسوا حتى أبصروا الفريقين وعرفوهم وقالوا لهم ما قالوا.
قيل لما عيروا أصحاب النار أقسموا أن أصحاب الأعراف لا يدخلون الجنة فقال الله سبحانه وتعالى أو بعض الملائكة هؤلاء الذين أقسمتم. وقرىء ﴿ أدخلوا ﴾ و «دخلوا» على الاستئناف وتقديره دخلوا الجنة مقولا لهم ﴿ لا خوف عليكم ﴾.
﴿ ونادى أصحب النار أصحب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء ﴾ أي صبوه، وهو دليل على أن الجنة فوق النار. ﴿ أو مما رزقكم الله ﴾ من سائر الأشربة ليلائم الإفاضة، أو من الطعام كقوله: علفتها تبنا وماء باردا. ﴿ قالوا إن الله حرمهما على الكفرين ﴾ منعهما عنهم منع المحرم من المكلف.