تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى العذاب. ﴿ بما قدمت أيديكم ﴾ من قتل الأنبياء وقولهم هذا وسائر معاصيهم. عبر بالأيدي عن الأنفس لأن أكثر أعمالها بهن. ﴿ وأن الله ليس بظلم للعبيد ﴾ عطف على ما قدمت وسببيته للعذاب من حيث إن نفي الظلم يستلزم العدل المقتضي إثابة المحسن ومعاقبة المسيء.

﴿ الذين قالوا ﴾ هم كعب بن الأشرف ومالك وحيي وفنحاص ووهب بن يهوذا. ﴿ إن الله عهد إلينا ﴾ أمرنا في التوراة وأوصانا. ﴿ أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار ﴾ بأن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بهذه المعجزة الخاصة التي كانت لأنبياء بني إسرائيل وهو أن يقرب بقربان فيقوم النبي فيدعو فتنزل نار سماوية فتأكله، أي تحيله إلى طبعها بالإحراق. وهذا من مفترياتهم وأباطيلهم لأن أكل النار القربان لم يوجب الإيمان إلا لكونه معجزة فهو وسائر المعجزات شرع في ذلك. ﴿ قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينت وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صدقين ﴾ تكذيب وإلزام بأن رسلا جاؤهم قبله كزكريا ويحيى بمعجزات أخر موجبة للتصديق وبما اقترحوه فقتلوهم، فلو كان الموجب للتصديق هو الإتيان به وكان توقفهم وامتناعهم عن الإيمان لأجله فما لهم لم يؤمنوا بمن جاء به في معجزات أخر واجترؤا على قتله.

﴿ فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا بالبينت والزبر والكتب المنير ﴾ تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم من تكذيب قومه واليهود، والزبر جمع زبور وهو الكتاب المقصور على الحكم من زبرت الشيء إذا حسبته، والكتاب في عرف القرآن ما يتضمن الشرائع والأحكام ولذلك جاء الكتاب والحكمة متعاطفين في عامة القرآن. وقيل الزبر المواعظ والزواجر، من زبرته إذا زجرته. وقرأ ابن عامر وبالزبر وهشام وبالكتاب بإعادة الجار للدلالة على أنها مغايرة للبينات بالذات.

﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ وعد ووعيد للمصدق والمكذب. وقرىء ﴿ ذائقة الموت ﴾ بالنصب مع التنوين وعدمه كقوله: ﴿ ولا يذكرون الله إلا قليلا ﴾ ﴿ وإنما توفون أجوركم ﴾ تعطون جزاء أعمالكم خيرا كان أو شرا تاما وافيا. ﴿ يوم القيمة ﴾ يوم قيامكم من القبور، ولفظ التوفية يشعر بأنه قد يكون قبلها بعض الأجور ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام:

" القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار ".

﴿ فمن زحزح عن النار ﴾ بعد عنها، والزحزحة في الأصل تكرير الزح وهو الجذب بعجلة. ﴿ وأدخل الجنة فقد فاز ﴾ بالنجاة ونيل المراد، والفوز الظفر بالبغية. وعن النبي صلى الله عليه وسلم

" من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه "

﴿ وما الحيوة الدنيا ﴾ أي لذاتها وزخارفها. ﴿ إلا متع الغرور ﴾ شبهها بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويغر حتى يشتريه، وهذا لمن آثرها على الآخرة. فأما من طلب بها الآخرة فهي له متاع بلاغ والغرور مصدر أو جمع غار.

﴿ لتبلون ﴾ أي والله لتختبرن. ﴿ في أمولكم ﴾ بتكليف الإنفاق وما يصيبها من الآفات. ﴿ وأنفسكم ﴾ بالجهاد والقتل والأسر والجراح، وما يرد عليها من المخاوف والأمراض والمتاعب. ﴿ ولتسمعن من الذين أوتوا الكتب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا ﴾ من هجاء الرسول صلى الله عليه وسلم، والطعن في الدين وإغراء الكفرة على المسلمين. أخبرهم بذلك قبل وقوعها ليوطنوا أنفسهم على الصبر والاحتمال، ويستعدوا للقائها حتى لا يرهقهم نزولها. ﴿ وإن تصبروا ﴾ على ذلك. ﴿ وتتقوا ﴾ مخالفة أمر الله. ﴿ فإن ذلك ﴾ يعني الصبر والتقوى. ﴿ من عزم الأمور ﴾ من معزومات الأمور التي يجب العزم عليها، أو مما عزم الله عليه أي أمر به وبالغ فيه. والعزم في الأصل ثبات الرأي على الشيء نحو إمضائه.

﴿ وإذ أخذ الله ﴾ أي اذكر وقت أخذه. ﴿ ميثق الذين أوتوا الكتب ﴾ يريد به العلماء. ﴿ لتبيننه للناس ولا تكتمونه ﴾ حكاية لمخاطبتهم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية ابن عياش بالياء لأنهم غيب، واللام جواب القسم الذي ناب عنه قوله: ﴿ أخذ الله ميثق الذين ﴾ والضمير للكتاب. ﴿ فنبذوه ﴾ أي الميثاق. ﴿ وراء ظهورهم ﴾ فلم يراعوه ولم يتلفتوا إليه.

انوار التنزيل واسرار التأويل · الصفحة ٢٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

انوار التنزيل واسرار التأويلص ٢٤٧