[غافر: 46] الآية وما روى ابن عباس رضي الله عنهما أنه عليه الصلاة والسلام قال
" أرواح الشهداء في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل معلقة في ظل العرش "
ومن أنكر ذلك ولم ير الروح إلا ريحا وعرضا قال هم أحياء يوم القيامة، وإنما وصفوا به في الحال لتحققه ودنوه أو أحياء بالذكر أو بالإيمان. وفيها حث على الجهاد وترغيب في الشهادة وبعث على ازدياد الطاعة وإحماد لمن يتمنى لإخوانه مثل ما أنعم عليه، وبشرى للمؤمنين بالفلاح.
﴿ يستبشرون ﴾ كرره للتأكيد وليعلق به ما هو بيان لقوله: ﴿ ألا خوف عليهم ﴾ ويجوز أن يكون الأول بحال إخوانهم وهذا بحال أنفسهم. ﴿ بنعمة من الله ﴾ ثوابا لأعمالهم. ﴿ وفضل ﴾ زيادة عليه كقوله تعالى:
للذين أحسنوا الحسنى وزيادة
[يونس: 26] وتنكيرهما للتعظيم. ﴿ وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين ﴾ من جملة المستبشر به عطف على فضل. وقرأ الكسائي بالكسر على أنه استئناف معترض دال على أن ذلك أجر لهم على إيمانهم مشعر بأن من لا إيمان له أعماله محبطة وأجوره مضيعة.
﴿ الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصبهم القرح ﴾ صفة للمؤمنين، أو نصب على المدح أو مبتدأ خبره. ﴿ للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم ﴾ بجملته ومن البيان، والمقصود من ذكر الوصفين المدح والتعليل لا التقييد، لأن المستجيبين كلهم محسنون متقون. روي
" أن أبا سفيان وأصحابه لما رجعوا فبلغوا الروحاء ندموا وهموا بالرجوع، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فندب أصحابه للخروج في طلبه وقال لا يخرجن معنا إلا من حضر يومنا بالأمس، فخرج عليه الصلاة والسلام مع جماعة حتى بلغوا حمراء الأسد وهي ثمانية أميال من المدينة وكان بأصحابه القرح فتحاملوا على أنفسهم حتى لا يفوتهم الأجر، وألقى الله الرعب في قلوب المشركين فذهبوا "
فنزلت.
﴿ الذين قال لهم الناس ﴾ يعني الركب الذين استقبلوهم من عبد قيس أو نعيم بن مسعود الأشجعي، وأطلق عليه الناس لأنه من جنسهم كما يقال فلان يركب الخيل وماله إلا فرس واحد لأنه انضم إليه ناس من المدينة وأذاعوا كلامه.
﴿ إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ﴾ يعني أبا سفيان وأصحابه روي: أنه نادى عند انصرافه من أحد: يا محمد موعدنا موسم بدر القابل إن شئت فقال عليه الصلاة والسلام:
" إن شاء الله تعالى "
، فلما كان القابل خرج في أهل مكة حتى نزل بمر الظهران فأنزل الله الرعب في قلبه وبدا له أن يرجع، فمر به ركب من عبد قيس يريدون المدينة للميرة فشرط لهم حمل بعير من زبيب أن ثبطوا المسلمين. وقيل: لقي نعيم بن مسعود وقد قدم معتمرا فسأله ذلك والتزم له عشرا من الإبل، فخرج نعيم فوجد المسلمين يتجهزون فقال لهم أتوكم في دياركم فلم يفلت منكم أحد إلا شريد افترون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم ففتروا، فقال عليه السلام:
" والذي نفسي بيده لأخرجن ولو لم يخرج معي أحد "
فخرج في سبعين راكبا وهم يقولون حسبنا الله. ﴿ فزادهم إيمنا ﴾ الضمير المستكن للمقول أو لمصدر قال أو لفاعله أن أريد به نعيم وحده، والبارز للمقول لهم والمعنى: إنهم لم يلتفتوا إليه ولم يضعفوا بل ثبت به يقينهم بالله وازداد إيمانهم وأظهروا حمية الإسلام وأخلصوا النية عنده، وهو دليل على أن الإيمان يزيد وينقص ويعضده قول ابن عمر رضي الله عنهما
" قلنا يا رسول الله الإيمان يزيد وينقص، قال: نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة وينقص حتى يدخل صاحبه النار "
وهذا ظاهر إن جعل الطاعة من جملة الإيمان وكذا إن لم تجعل فإن اليقين يزداد بالإلف وكثرة التأمل وتناصر الحجج. ﴿ وقالوا حسبنا الله ﴾ محسبنا وكافينا، من أحسبه إذا كفاه ويدل على أنه بمعنى المحسب إنه لا يستفيد بالإضافة تعريفا في قولك هذا رجل حسبك. ﴿ ونعم الوكيل ﴾ ونعم الموكول إليه هو فيه.