تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿ يأيها الذين ءامنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتب يردوكم بعد إيمنكم كفرين ﴾ نزلت في نفر من الأوس والخزرج كانوا جلوسا يتحدثون، فمر بهم شاس بن قيس اليهودي فغاظه تألفهم واجتماعهم فأمر شابا من اليهود أن يجلس إليهم ويذكرهم يوم بعاث وينشدهم بعض ما قيل فيه، وكان الظفر في ذلك اليوم للأوس، ففعل فتنازع القوم وتفاخروا وتغاضبوا وقالوا السلاح السلاح، واجتمع مع القبيلتين خلق عظيم، فتوجه إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقال

" أتدعون الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن أكرمكم الله بالإسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية وألف بين قلوبكم "

فعلموا أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم، فألقوا السلاح واستغفروا وعانق بعضهم بعضا وانصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإنما خاطبهم الله بنفسه بعدما أمر الرسول بأن يخاطب أهل الكتاب إظهارا لجلالة قدرهم، وإشعارا بأنهم هم الأحقاء بأن يخاطبهم الله ويكلمهم.

﴿ وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم ءايت الله وفيكم رسوله ﴾ إنكار وتعجيب لكفرهم في حال اجتمع لهم الأسباب الداعية إلى الإيمان الصارفة عن الكفر. ﴿ ومن يعتصم بالله ﴾ ومن يتمسك بدينه أو يلتجىء إليه في مجامع أموره. ﴿ فقد هدي إلى صرط مستقيم ﴾ فقد اهتدى لا محالة.

﴿ يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته ﴾ حق تقواه وما يجب منها، وهو استفراغ الوسع في القيام بالواجب والاجتناب عن المحارم كقوله:

فاتقوا الله ما استطعتم

[التغابن: 16] وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: هو أن يطيع فلا يعصي، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى. وقيل هو: أن تنزه الطاعة عن الالتفات إليها وعن توقع المجازاة عليها. وفي هذا الأمر تأكيد للنهي عن طاعة أهل الكتاب، وأصل تقاة وقية فقلبت واوها المضمومة تاء كما في تؤده وتخمه والياء ألفا. ﴿ ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ﴾ أي ولا تكونن على حال سوى حال الإسلام إذا أدرككم الموت، فإن النهي عن المقيد بحال أو غيرها قد يتوجه بالذات نحو الفعل تارة والقيد أخرى وقد يتوجه نحو المجموع دونهما وكذلك النفي.

﴿ واعتصموا بحبل الله جميعا ﴾ بدين الإسلام، أو بكتابه لقوله عليه السلام:

" القرآن حبل الله المتين ".

استعار له الحبل من حيث إن التمسك به سبب للنجاة من الردي، كما أن التمسك بالحبل سبب للسلامة من التردى والوثوق به والاعتماد عليه الاعتصام ترشيحا للمجاز. ﴿ جميعا ﴾ مجتمعين عليه ﴿ ولا تفرقوا ﴾ أي ولا تتفرقوا عن الحق بوقوع الاختلاف بينكم كأهل الكتاب، أو لا تتفرقوا تفرقكم في الجاهلية يحارب بعضكم بعضا، أو لا تذكروا ما يوجب التفرق ويزيل الألفة. ﴿ واذكروا نعمة الله عليكم ﴾ التي من جملتها الهداية والتوفيق للإسلام المؤدي إلى التآلف وزوال الغل. ﴿ إذ كنتم أعداء ﴾ في الجاهلية متقاتلين. ﴿ فألف بين قلوبكم ﴾ بالإسلام. ﴿ فأصبحتم بنعمته إخوانا ﴾ متحابين مجتمعين على الأخوة في الله. وقيل كان الأوس والخزرج أخوين فوقع بين أولادهما العداوة وتطاولت الحروب مائة وعشرين سنة حتى أطفأها الله بالإسلام وألف بينهم برسوله صلى الله عليه وسلم. ﴿ وكنتم على شفا حفرة من النار ﴾ مشرفين على الوقوع في نار جهنم لكفركم، إذ لو أدرككم الموت على تلك الحالة لوقعتم في النار.

﴿ فأنقذكم منها ﴾ بالإسلام، والضمير للحفرة، أو للنار، أو للشفا. وتأنيثه لتأنيث ما أضيف إليه أو لأنه بمعنى الشفة فإن شفا البئر وشفتها طرفها كالجانب والجانبة، وأصله شفو فقلبت الواو ألفا في المذكر وحذفت في المؤنث. ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك التبيين. ﴿ يبين الله لكم آيته ﴾ دلائله. ﴿ لعلكم تهتدون ﴾ إرادة ثباتكم على الهدى وازديادكم فيه.

﴿ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ﴾ من للتبعيض، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفاية، ولأنه لا يصلح له كل أحد إذ للمتصدي له شروط لا يشترك فيها جميع الأمة كالعلم بالأحكام ومراتب الاحتساب وكيفية إقامتها والتمكن من القيام بها. خاطب الجميع وطلب فعل بعضهم ليدل على أنه واجب على الكل حتى لو تركوه رأسا أثموا جميعا ولكن يسقط بفعل بعضهم، وهكذا كل ما هو فرض كفاية. أو للتبيين بمعنى وكونوا أمة يدعون كقوله تعالى:

انوار التنزيل واسرار التأويل · الصفحة ٢٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

انوار التنزيل واسرار التأويلص ٢٢٣