﴿ لن تنالوا البر ﴾ أي لن تبلغوا حقيقة البر الذي هو كمال الخير، أو لن تنالوا بر الله الذي هو الرحمة والرضى والجنة. ﴿ حتى تنفقوا مما تحبون ﴾ أي من المال، أو ما يعمه وغيره كبذل الجاه في معاونة الناس، والبدن في طاعة الله والمهجة في سبيله. روي (أنها لما نزلت جاء أبو طلحة فقال: يا رسول الله إن أحب أموالي إلي بيرحاء فضعها حيث أراك الله، فقال:
" بخ بخ ذاك مال رابح أو رائح، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين ".
وجاء زيد بن حارثة بفرس كان يحبها فقال: هذه في سبيل الله فحمل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد فقال: زيد إنما أردت أن أتصدق بها فقال عليه السلام:
" إن الله قد قبلها منك "
وذلك يدل على أن إنفاق أحب الأموال على أقرب الأقارب أفضل، وأن الآية تعم الإنفاق الواجب والمستحب. وقرىء «بعض ما تحبون» وهو يدل على أن من للتبعيض ويحتمل التبيين. ﴿ وما تنفقوا من شيء ﴾ أي من أي شيء محبوب أو غيره ومن لبيان ما. ﴿ فإن الله به عليم ﴾ فيجازيكم بحسبه.
﴿ كل الطعام ﴾ أي المطعومات والمراد أكلها. ﴿ كان حلا لبني إسرءيل ﴾ حلالا لهم، وهو مصدر نعت به ولذلك استوى فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث قال تعالى:
لا هن حل لهم
[الممتحنه: 10] ﴿ إلا ما حرم إسرءيل ﴾ يعقوب. ﴿ على نفسه ﴾ كلحوم الإبل وألبانها. وقيل كان به عرق النسا فنذر إن شفي لم يأكل أحب الطعام إليه وكان ذلك أحبه إليه. وقيل: فعل ذلك للتداوي بإشارة الأطباء. واحتج به من جوز للنبي أن يجتهد، وللمانع أن يقول ذلك بإذن من الله فيه فهو كتحريمه ابتداء. ﴿ من قبل أن تنزل التوراة ﴾ أي من قبل إنزالها مشتملة على تحريم ما حرم عليهم لظلمهم وبغيهم عقوبة وتشديدا، وذلك رد على اليهود في دعوى البراءة مما نعى عليهم في قوله تعالى:
فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبت
[النساء: 160] وقوله:
وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر
[الأنعام: 146] الآيتين، بأن قالوا لسنا أول من حرمت عليه وإنما كانت محرمة على نوح وإبراهيم ومن بعده حتى انتهى الأمر إلينا فحرمت علينا كما حرمت على من قبلنا، وفي منع النسخ والطعن في دعوى الرسول عليه السلام موافقة إبراهيم عليه السلام بتحليله لحوم الإبل وألبانها. ﴿ قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صدقين ﴾ أمر بمحاجتهم بكتابهم وتبكيتهم بما فيه من أنه قد حرم عليهم بسبب ظلمهم ما لم يكن محرما. روي: أنه عليه السلام لما قاله لهم بهتوا ولم يجسروا أن يخرجوا التوراة. وفيه دليل على نبوته.