تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

آمنتم له قبل أن ءاذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف..

[طه: 71]. فماذا قالوا؟

قالوا لا ضير إنآ إلى ربنا منقلبون

[الشعراء: 50] فهذا منقلب حسن يمدح ويحمد. وقد يظن المرء أن منقلبه منقلب خير، وأنه سينتهي إلى ما يفرح، وهو واهم مخدوع في عمله ينتظر الخير، والله تعالى يعد له منقلبا آخر، كالذي أعطاه الله الجنتين من أعناب وحففهما بنخل، وجعل بينهما زرعا، فلما غرته نعمة الدنيا ظن أن له مثلها، أو خيرا منها في الآخرة، فقال:

ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا

[الكهف: 36]. والانقلاب والمرجع إلى الله - عز وجل - إنما يفرح به من آمن بالله وعمل صالحا لأنه يعلم أنه سيصير إلى جزاء من الحق - سبحانه وتعالى - مؤكد لذلك الحق - تبارك وتعالى - يعلمنا حين نركب الدواب التي تحملنا

وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس..

[النحل: 7]. علمنا أن نذكره سبحانه:

والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون * لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين * وإنآ إلى ربنا لمنقلبون

[الزخرف: 12-14]. إذن: فالدواب وما يحل محلها الآن من وسائل المواصلات من أعظم نعم الله علينا، ولولا أن الله سخرها لنا ما كان لنا قدرة عليها، ولا طاقة بتسخيرها لذلك نقول

وما كنا له مقرنين

[الزخرف: 13]. أي: لا نستطيع ترويضه، فالصبي الصغير نراه يقود الجمل الضخم، وينيخه ويحمله الأثقال وهو طائع منقاد، لكنه يفزع إن رأى ثعبانا صغيرا، لماذا؟ لأن الله - سبحانه وتعالى - سخر لنا الجمل وذلله، ولم يسخر لنا الثعبان. وصدق الله العظيم إذ يقول سبحانه:

أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ أنعاما فهم لها مالكون * وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون

[يس: 71-72]. ولكن ما علاقة قولنا:

سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين

[الزخرف: 13] بقولنا:

وإنآ إلى ربنا لمنقلبون

[الزخرف: 14]. قالوا: لأننا سننقلب إلى الله في الآخرة، وسنسأل عن هذا النعيم، فإن شكرنا ربنا على هذه النعمة فقد أدينا حقها، ومن شكر الله على نعمة في الدنيا لا يسأل عنها في الآخرة لأنه أدى حقها. وقال سبحانه: ﴿ وسيعلم.. ﴾ [الشعراء: 227] بالسين الدالة على الاستقبال، لكنها لا تعني طول الزمن كما يظن البعض لأن الله تعالى أخفى الموت ميعادا، وأخفاه سببا ومكانا، وهذا الإبهام للموت هو عين البيان، لأنك في هذه الحالة ستنتظره وتتوقعه في كل وقت، ولو علم الإنسان موعد موته لقال: أفعل ما أريد ثم أتوب قبل أن أموت. إذن: الوقت الذي تقتضيه السين هنا لا يطول، فقد يفاجئك الموت، وليس بعد الموت عمل أو توبة، واقرأ قوله تعالى:

كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها

[النازعات: 46]. وقلنا: إن في الآية ﴿ وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ﴾ [الشعراء: 227] تهديدا ووعيدا، الحق - تبارك وتعالى - حين يضخم الوعيد إنما يريد الرحمة بخلقه، وهو محب لهم، فيهددهم الآن ليسلموا غدا، وينبههم ليعودوا إليه، فينالوا جزاءه ورحمته. وكأنه - تبارك وتعالى - يريد من وراء هذا التهديد أن يوزع رحمته لا جبروته، كما تقسو على ولدك ليذاكر وتهدده ليجتهد. إذن: فالوعد بالخير خير، والوعيد بالشر أيضا خير، فكل ما يأتيك من ربك، فاعلم أنه خير لك، حتى وإن كان تهديدا ووعيدا. وهكذا قدمت لنا سورة الشعراء نموذجا من تسلية الحق - تبارك وتعالى - لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم والتخفيف عنه ما يلاقي من حزن وألم على حال قومه وعدم إيمانهم، وعرضت عليه صلى الله عليه وسلم موكب الرسل، وكيف أن الله أيدهم ونصرهم وهزم أعداءهم ودحرهم. ثم سلاه ربه بأن رد على الكفار في افتراءاتهم، وأبطل حججهم، وأبان زيف قضاياهم، ثم تختم هذه التسلية ببيان أن للظالمين عاقبة سيئة تنتظرهم وأبهم هذه العاقبة ﴿ أي منقلب ينقلبون ﴾ [الشعراء: 227] ليضخمها. والشيء إذا حدد إنما يأتي على لون واحد، وإن أبهم كان أبلغ لأن النفس تذهب في تصوره كل مذهب، كما لو تأخر مسافر عن موعد عودته فنجلس ننتظره في قلق تسرح بنا الظنون في سبب تأخره، وفي احتمالات ما يمكن أن يحدث، وتتوارد على خواطرنا الأوهام، وكل وهم يرد في نفسك بألم ولذعة، في حين أن الواقع شيء واحد.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤١٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤١٧١