تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

20.75

ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة " أن " ﴿ ومن يأته ﴾ يوم القيامة في حال كونه ﴿ مؤمنا قد عمل الصالحات ﴾ أي في الدنيا حتى مات على ذلك ﴿ فأولئك لهم ﴾ عند الله ﴿ الدرجات العلى ﴾ والعلى جمع عليا وهي تأنيث الأعلى. وقد أشار إلى هذا المعنى في غير هذا الموضع. كقوله تعالى

وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا

الإسراء 21، وقوله

ولكل درجات مما عملوا

الأحقاف 19 ونحو ذلك من الآيات.

20.77

ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة. أنه أوحى إلى نبيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أن يسري بعباده، وهم بنو إسرائيل فيخرجهم من قبضة فرعون ليلا، وأن يضرب لهم طريقا في البحر يبسا، أي يابسا لا ماء فيه ولا بلل، وأنه لا يخاف دركا من فرعون وراءه أن يناله بسوء. ولا يخشى من البحر أمامه أن يغرق قومه. وقد أوضح هذه القصة في غير هذا الموضع، كقوله في سورة " الشعراء "

وأوحينآ إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون فأرسل فرعون في المدآئن حاشرين إن هؤلاء لشرذمة قليلون وإنهم لنا لغآئظون وإنا لجميع حاذرون فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم كذلك وأورثناها بني إسرائيل فأتبعوهم مشرقين فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين فأوحينآ إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم

الشعراء 52-63. فقوله في " الشعراء " ﴿ أن اضرب بعصاك البحر فانفلق ﴾ أي فضربه فانفلق يوضح معنى قوله ﴿ فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا ﴾ ، وقوله

قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين

الشعراء 61-62 الآية يوضح معنى قوله ﴿ لا تخاف دركا ولا تخشى ﴾ وقد أشار تعالى إلى ذلك في قوله في " الدخان "

فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون

الدخان 22-24 إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا طرفا من ذلك في سورة " البقرة " والقصة معروفة واضحة من القرآن العظيم. وقرأ نافع وابن كثير ﴿ أن أسر ﴾ بهمزة وصل وكسر نون ﴿ أن ﴾ لالتقاء الساكنين والباقون قرؤوا ﴿ أن آسر ﴾ بهمزة قطع مفتوحة مع إسكان نون " أن " وقد قدمنا في سورة " هود " أن أسرى وسرى لغتان وبينا شواهد ذلك من العربية. وقرأ حمزة ﴿ لا تخف ﴾ بسكون الفاء بدون ألف بين الخاء والفاء، وهو مجزوم بشرط محذوف تدل عليه صيغة الطلب، أي أن تضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخف. وعلى قراءة الجمهور " لا تخاف " بالرفع، فلا إشكال في قوله ﴿ ولا تخشى ﴾ إشكال معروف، وهو أنه معطوف على مضارع مجزوم، وذلك يقتضي جزمه، ولو جزم لحذفت الألف من ﴿ تخشى ﴾ على حد قوله في الخلاصة

واحذف جازما ثلاثهن تقض حكما لازما

والألف لم تحذف فوقع الإشكال بسبب ذلك. وأجيب عنه من ثلاثة أوجه الأول أن ﴿ ولا تخشى ﴾ مستأنف خبر مبتدأ محذوف، تقديره وأنت لا تخشى، أي ومن شأنك أنك آمن لا تخشى. والثاني أن الفعل مجزوم، والألف ليست هي الألف التي في موضع لام الكلمة، ولكنها زيدت للإطلاق من أجل الفاصلة، كقوله

فأضلونا السبيلا

الأحزاب 67، وقوله

وتظنون بالله الظنونا

الأحزاب 10. والثالث أن إشباع الحركة بحرف مد يناسبها أسلوب معروف من أساليب اللغة العربية، كقول عبد يغوث بن وقاص الحارثي

وتضحك مني شيخة عبشمية كأن لم تر قبلي أسيرا يمانيا

وقول الراجز

إذا العجوز غضبت فطلق ولا ترضاها ولا تملق

وقول الآخر

وقلت وقد خرت على الكلكال يا ناقتي ما جلت من مجال

وقول عنترة في معلقته

ينباع من ذفرى غضوب جسرة زيافة مثل الفنيق المكدم

فالأصل في البيت الأول كأن لم تر، ولكن الفتحة أشبعت. والأصل في الثاني ولا ترضها، ولكن الفتحة أشبعت. والأصل في الثالث على الكلكال يعني الصدر، ولكن الفتحة أشبعت. والأصل في الرابع ينبع يعني أن العرق ينبع من عظم الذفرى من ناقته على التحقيق، ولكن الفتحة أشبعت، وإشباع الفتحة بألف في هذه الأبيات وأمثالها مما لم نذكره ليس لضرورة للشعر لتصريح علماء العربية بأنه أسلوب عربي معروف. ويؤيد ذلك أنه مسموع في النثر، كقولهم في النثر كلكال، وخاتام، وداناق، يعنون كلكلا، وخاتما، ودانقا. وقد أوضحنا هذه المسألة، وأكثرنا من شواهدها العربية في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب في سورة " البلد " في الكلام على قوله

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٩٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٩٩٨