تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

20.122

الاجتباء الاصطفاء والاختيار. أي ثم بعد ما صدر من آدم بمهلة اصطفاه ربه واختاره فتاب عليه وهداه إلى ما يرضيه. ولم يبين هنا السبب لذلك، ولكنه بين في غير هذا الموضع أنه تلقى من ربه كلمات فكانت سبب توبة ربه عليه، وذلك في قوله

فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه

البقرة 37 أي بسبب تلك الكلمات كما تدل عليه الفاء. وقد قدمنا في سورة " البقرة " أن الكلمات المذكورة هي المذكورة في سورة " الأعراف " في قوله تعالى

قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين

الأعراف 23 وخير ما يفسر به القرآن القرآن.

20.123

قوله تعالى ﴿ قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو ﴾. الظاهر أن ألف الاثنين في قوله ﴿ اهبطا ﴾ راجعة إلى آدم وحواء المذكورين في قوله

فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما

طه 121 الآية، خلافا لمن زعم أنها راجعة إلى إبليس وآدم، وأمره إياهما بالهبوط من الجنة المذكور في آية " طه " هذه جاء مبينا في غير هذا الموضع. كقوله في سورة " البقرة "

وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين

البقرة 38، وقوله في " الأعراف "

قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين

الأعراف 24. وفي هذه الآيات سؤال معروف، وهو أن يقال كيف جيء بصيغة الجمع في قوله ﴿ اهبطوا ﴾ في " البقرة " و " الأعراف " وبصيغة التثنية في " طه " في قوله ﴿ اهبطا ﴾ مع أنه اتبع صيغة التثنية في " طه " بصيغة الجمع في قوله ﴿ فإما يأتينكم مني هدى ﴾ طه 123 وأظهر الأجوبة عندي عن ذلك أن التثنية باعتبار آدم وحواء فقط، والجمع باعتبارهما مع ذريتهما. خلافا لمن زعم أن التثنية باعتبار آدم وإبليس، والجمع باعتبار معهم ذريتهما معهما، وخلافا لمن زعم أن الجمع في قوله ﴿ اهبطوا ﴾ مراد به آدم وحواء وإبليس والحية. والدليل على أن الحية ليست مرادة في ذلك هو أنها لا تدخل في قوله ﴿ فإما يأتينكم مني هدى ﴾ لأنها غير مكلفة. واعلم أن المفسرين يذكرون قصة الحية، وأنها كانت ذات قوائم أربع كالبختية من أحسن خلقها الله، وأن إبليس دخل في فمها فأدخلته الجنة، فوسوس لآدم وحواء بعد أن عرض نفسه على كثير من الدواب فلم يدخله إلا الحية. فأهبط هو إلى الأرض ولعنت هي وردت قوائمها في جوفها، وجعلت العداوة بينها وبين بني آدم، ولذلك أمروا بقتلها. وبهذه المناسبة ذكر القرطبي رحمه الله في تفسيره في سورة " البقرة " جملا من أحكام قتل الحيات. فذكر عن ساكنة بنت الجعد أنها روت عن سري بنت نبهان الغنوية أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بقتل الحيات صغيرها وكبيرها، وأسودها وأبيضها، ويرغب في ذلك. ثم ذكر عن ابن جريج عن عمرو بن دينار عن أبي عبيدة بن عبدالله بن مسعود حديثا فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بقتل حية فسبقتهم إلى جحرها. فأمرهم أن يضرموا عليها نارا. وذكر عن علماء المالكية أنهم خصصوا بذلك النهي عن الإحراق بالنار، وعن أن يعذب أحد بعذاب الله. ثم ذكر عن إبراهيم النخعي أنه كره أن تحرق العقرب بالنار، وقال هو مثله. وأجاب عن ذلك بأنه يحتمل أنه لم يبلغه الخبر المذكور.

ثم ذكر

" حديث عبدالله بن مسعود الثابت في الصحيحين قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غار، وقد أنزلت عليه ﴿ والمرسلات عرفا ﴾ المرسلات 1 فنحن نأخذها من فيه رطبة، إذ خرجت علينا حية فقال اقتلوها، فابتدرناها لنقتلها، فسبقتنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " وقاها الله شركم كما وقاكم شرها "

فلم يضرم نارا، ولا احتال في قتلها، وأجاب هو عن ذلك، بأنه يحتمل أنه لم يجد نارا في ذلك الوقت، أو لم يكن الجحر بهيئة ينتفع بالنار هناك، مع ضرر الدخان وعدم وصوله إلى الحية. ثم ذكر أن الأمر بقتل الحيات من الإرشاد إلى دفع المضرة المخوفة من الحيات ثم ذكر أن الأمر بقتل الحيات عام في جميع أنواعها إن كانت غير حيات البيوت، ثم ذكر فيما خرجه أبو داود من حديث عبدالله بن مسعود " اقتلوا الحيات كلهن، فمن خاف ثأرهن فليس مني " ثم ذكر أن حيات البيوت لا تقتل حتى تؤذن ثلاثة أيام. لحديث

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٠٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٠٣٣