تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

20.69

قوله تعالى ﴿ وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ﴾ قرأ هذا الحرف نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي وقنبل عن ابن كثير، وهشام عن ابن عامر، وشعبة عن عاصم بتاء مفتوحة مخففة بعدها لام مفتوحة ثم قاف مفتوحة مشددة بعدها فاء ساكنة، وهو مضارع تلقف وأصله تتلقف بتاءين فحذفت إحداهما تخفيفا، كما أشار له في الخلاصة بقوله

وما بتاءين ابتدى قد يقتصر فيه على تا كتبين العبر

والمضارع مجزوم، لأنه جزاء الطلب في قوله ﴿ وألق ﴾ وجمهور علماء العربية على أن الجزم في نحو ذلك بشرط مقدر دلت عليه صيغة الطلب، وتقديره هنا إن تلق ما في يمينك ما صنعوا. وقرأه البزي عن ابن كثير كالقراءة التي ذكرنا، إلا أنه يشدد تاء تلقف وصلا. ووجه تشديد التاء هو إدغام إحدى التاءين في الأخرى، وهو جائز في كل فعل بديء بتاءين كما هنا، وأشار إليه في الخلاصة بقوله

وحيي افكك وادغم دون حذر كذاك نحو تتجلى واستتر

ومحل الشاهد منه قوله نحو " تتجلى " ومثاله في الماضي قوله

تولى الضجيع إذا ما التذها خصرا عذب المذاق إذا ما اتابع القبل

أصله تتابع، وقرأ ابن ذكوان عن ابن عامر كالقراءة المذكورة للجمهور إلا أنه يضم الفاء، فالمضارع على قراءته مرفوع، ووجه رفعه أن جملة الفعل حال، أي ألق بما في يمينك في حال كونها متلقفة ما صنعوا. أو مستأنفة، وعليه فهي خبر مبتدأ محذوف، أي فهي تلقف ما صنعوا. وقرأ حفص عن عاصم ﴿ تلقف ﴾ بفتح التاء وسكون اللام وفتح القاف مخففة مع الجزم، مضارع لقفه بالكسر يلقفه بالفتح ومعنى القراءتين واحد، لأن معنى تلقفه ولقفه إذا تناوله بسرعة، والمراد بقوله ﴿ تلقف ما صنعوا ﴾ على جميع القراءات أنها تبتلع كل ما زوروه وافتعلوه من الحبال والعصي التي خيلوا للناس أنها تسعى وصنعهم في قوله تعالى ﴿ ما صنعوا ﴾ واقع في الحقيقة على تخييلهم إلى الناس بسحرهم أن الحبال والعصي تسعى، لا على نفس الحبال والعصي لأنها من صنع الله تعالى. ومن المعلوم أن كل شيء كائنا ما كان بمشيئة تعالى الكونية القدرية. وهذا المعنى الذي ذكره جل وعلا هنا في هذه الآية الكريمة من كونه أمر نبيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أن يلقي ما في يمينه أي يده اليمنى، وهو عصاه فإذا هي تبتلع ما يأفكون من الحبال والعصي التي خيلوا إليه أنها تسعى أوضحه في غير هذا الموضع، كقوله في " الأعراف "

وأوحينآ إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين

الأعراف 117-119، وقوله تعالى في " الشعراء "

فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون

الشعراء 45 فذكر العصا في " الأعراف، والشعراء " يوضح أن المراد بما في يمينه في " طه " أنه عصاه كما لا يخفى. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿ ما يأفكون ﴾ أي يختلقونه ويفترونه من الكذب، وهو زعمهم أن الحبال والعصي تسعى حقيقة، وأصله من قولهم أفكه عن شيء يأفكه عنه من باب ضرب إذا صرفه عنه وقلبه. فأصل الأفك بالفتح والقلب والصرف عن الشيء. ومنه قيل لقرى قوم لوط

والمؤتفكات

التوبة 70. لأن الله أفكها أي قلبها. كما قال تعالى

فجعلنا عاليها سافلها

الحجر 74. ومنه قوله تعالى

يؤفك عنه من أفك

الذاريات 9 أي يصرف عنه من صرف، وقوله

قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا

الأحقاف 22 أي لتصرفنا عن عبادتها، وقول عمرو بن أذينة

إن تك عن أحسن المروءة مأ فوكا ففي آخرين قد أفكوا

وأكثر استعمال هذه المادة في الكذب. لأنه صرف وقلب للأمر عن حقيقته بالكذب والافتراء. كما قال تعالى

ويل لكل أفاك أثيم

الجاثية 7، وقال تعالى

وذلك إفكهم وما كانوا يفترون

الأحقاف 28 إلى غير ذلك من الآيات. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿ إنما صنعوا كيد ساحر ﴾ " ما " موصولة وهي اسم " إن " ، و " كيد " خبرها، والعائد إلى الموصول محذوف. على حد قوله في الخلاصة

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٩٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٩٧٩