تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

20.53-54

قرأ هذا الحرف عاصم وحمزة والكسائي " مهدا " بفتح الميم وإسكان الهاء من غير ألف. وقرأ الباقون من السبعة بكسر الميم وفتح الهاء بعدها ألف. والمهاد الفراش. والمهد بمعناه. وكون أصله مصدرا لا ينافي أن يستعمل اسما للفراش. وقوله في هذه الآية ﴿ الذي جعل لكم الأرض ﴾ في محل رفع نعت ل " ربي " من قوله قبله

قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى

طه 52 أي لا يضل ربي الذي جعل لكم الأرض مهدا. ويجوز أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف. أي هو الذي جعل لكم الأرض. ويجوز أن ينصب على المدح، وهو أجود من أن يقدر عامل النصب لفظة أعني، كما أشار إلى هذه الأوجه من الإعراب في الخلاصة بقوله

وارفع أو انصب إن قطعت مضمرا مبتدأ أو ناصبا لن يظهرا

هكذا قال غير واحد من العلماء. والتحقيق أنه يتعين كونه خبر مبتدأ محذوف. لأنه كلام مستأنف من كلام الله. ولا يصح تعلقه بقول موسى ﴿ لا يضل ربي ﴾ لأن قوله ﴿ فأخرجنا ﴾ يعين أنه من كلام الله، كما نبه عليه أبو حيان في البحر، والعلم عند الله تعالى. وقد بين جل وعلا في هاتين الآيتين أربع آيات من آياته الكبرى الدالة على أنه المعبود وحده. ومع كونها من آيات على كمال قدرته واستحقاقه العبادة وحده دون غيره فهي من النعم العظمى على بني آدم. الأولى فرشه الأرض على هذا النمط العجيب. الثانية جعله فيها سبلا يمر معها بنو آدم ويتوصلون بها من قطر إلى قطر. الثالثة إنزاله الماء من السماء على هذا النمط العجيب. الرابعة إخراجه أنواع النبات من الأرض. أما الأولى التي هي جعله الأرض مهدا فقد ذكر الامتنان بها مع الاستدلال بها على أنه المعبود وحده في مواضع كثيرة من كتابه. كقوله تعالى

ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم الذي جعل لكم الأرض مهدا

الزخرف 9-10 الآية، وقوله تعالى

ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا

النبأ 6-7، وقوله تعالى

والأرض فرشناها فنعم الماهدون

الذاريات 48، وقوله تعالى

وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا

الرعد 3 والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا. وأما الثانية التي هي جعله فيها سبلا فقد جاء الامتنان والاستدلال بها في آيات كثيرة. كقوله في " الزخرف "

ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون

الزخرف 9-10، وقوله تعالى

وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون

الأنبياء 31 وقد قدمنا الآيات الدالة على هذا في سورة " النحل " في الكلام على قوله

وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون

النحل 15. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿ وأنزل من السمآء مآء فأخرجنا ﴾ فيه التفات من الغيبة إلى التكلم بصيغة التعظيم. ونظيره في القرآن قوله تعالى في " الأنعام "

وهو الذي أنزل من السمآء مآء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا

الأنعام 99 الآية، وقوله في " فاطر "

ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها

فاطر 27، وقوله في " النمل "

أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السمآء مآء فأنبتنا به حدآئق ذات بهجة

النمل 60 الآية. وهذا الالتفات من الغيبة إلى التكلم بصيغة التعظيم في هذه الآيات كلها في إنبات النبات يدل على تعظيم شأن إنبات النبات لأنه لو لم ينزل الماء ولم ينبت شيئا ليهلك الناس جوعا وعطشا. فهو يدل على عظمته جل وعلا، وشدة احتياج الخلق إليه ولزوم طاعتهم له جل وعلا. وقوله في هذه الآية ﴿ أزواجا من نبات شتى ﴾ أي أصنافا مختلفة من أنواع النبات. فالأزواج جمع زوج، وهو هنا الصنف من النبات، كما قال تعالى في سورة " الحج "

وترى الأرض هامدة فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٩٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٩٦٨