20.82
ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه غفار أي كثير المغفرة لمن تاب إليه من معاصيه وكفره، وآمن به وعمل صالحا ثم اهتدى. وقد أوضح هذا المعنى في مواضع متعددة من كتابه، كقوله
قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف
الأنفال 38 الآية. وقوله في الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة
أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم
المائدة 74، وقوله تعالى
قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له
الزمر 53-54 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا معنى التوبة والعمل الصالح. وقوله في هذه الآية الكريمة ﴿ ثم اهتدى ﴾ أي استقام وثبت على ما ذكر من التوبة والإيمان والعمل الصالح ولم ينكث. ونظير ذلك قوله تعالى
إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا
فصلت 30، وفي الحديث
" قل آمنت بالله ثم استقم "
وقال تعالى
فاستقم كمآ أمرت
هود 112 الآية.
20.83-84
أشار جل وعلا في هذه الآية الكريمة إلى قصة مواعدته في موسى أربعين ليلة وذهابه إلى الميقات، واستعجاله إليه قبل قومه. وذلك أنه لما واعده ربه ﴿ ومآ أعجلك عن قومك ﴾ الآية. وهذه القصة التي أجملها هنا أشار لها في غير هذا الموضع. كقوله في " الأعراف "
وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين ولما جآء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك
الأعراف 142-143 الآية. وفي هذه الآية سؤال معروف وهو أن جواب موسى ليس مطابقا للسؤال الذي سأله ربه، لأن السؤال عن السبب الذي أعجله عن قومه، والجواب لم يأت مطابقا لذلك. لأنه أجاب بقوله ﴿ هم أولاء على أثري وعجلت إليك ﴾ الآية. وأجيب عن ذلك بأجوبة منها أن قوله ﴿ هم أولاء على أثري ﴾ يعني هم قريب وما تقدمتهم إلا بيسير يغتفر مثله، فكأني لم أتقدمهم ولم أعجل عنهم لقرب ما بيني وبينهم. ومنها أن الله جل وعلا لما خاطبه بقوله ﴿ ومآ أعجلك عن قومك ﴾ داخله من الهيبة والإجلال والتعظيم لله جل وعلا ما أذهله عن الجواب المطابق. والله أعلم. وقوله ﴿ هم أولاء ﴾ المد فيه لغة الحجازيين. ورجحها ابن مالك في الخلاصة بقوله والمد أولى. ولغة التميميين " أولا " بالقصر، ويجوز دخول اللام على لغة التميميين في البعد، ومنه قول الشاعر
أولا لك قومي لم يكونوا أشابة وهل يعظ الضليل إلا أولالكا
وأما على لغة الحجازيين بالمد فلا يجوز دخول اللام عليها.