تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" لم يبق على ظهر الأرض ممن هو بها اليوم أحد "

فخصص ذلك بظهر الأرض فلم يتناول اللفظ من في السماء، وعيسى قد رفعه الله من الأرض كما صرح بذلك في قوله تعالى

بل رفعه الله إليه

النساء 158 وهذا واضح جدا كما ترى. ودعوى حياة أصحاب الكهف، وفتى موسى ظاهرة السقوط ولو فرضنا حياتهم فإن الحديث يدل على موتهم عند المائة كما تقدم، ولم يثبت شيء يعارضه. وقوله " إن الخضر ليس مشاهدا للناس، ولا ممن يخالطهم حتى يخطر ببالهم حالة مخاطبة بعضهم بعضا " يقال فيه إن الاعتراض يتوجه عليه من جهتين الأولى - أن دعوى كون الخضر محجوبا عن أعين الناس كالجن والملائكة - دعوى لا دليل عليها والأصل خلافها، لأن الأصل أن بني آدم يرى بعضهم بعضا لاتفاقهم في الصفات النفسية، ومشابهتهم فيما بينهم. الثانية - أنا لو فرضنا أنه لا يراه بنو آدم، فالله الذي أعلم النبي بالغيب الذي هو " هلاك كل نفس منفوسة في تلك المائة " عالم بالخضر، وبأنه نفس منفوسة.

ولو سلمنا جدليا أن الخضر فرد نادر لا تراه العيون. وأن مثله لم يقصد بالشمولي في العموم - فأصح القولين عند علماء الأصول شمول العام والمطلق للفرد النادر والفرد غير المقصود. خلافا لمن زعم أن الفرد النادر وغير المقصود لا يشملهما العام ولا المطلق. قال صاحب جمع الجوامع في " مبحث العام " ما نصه والصحيح دخول النادرة وغير المقصودة تحته. فقوله " النادرة وغير المقصودة " ، يعني الصورة النادرة وغير المقصودة. وقوله " تحته " يعني العام. والحق أن الصورة النادرة، وغير المقصودة صورتان لا واحدة، وبينهما عموم وخصوص من وجه على التحقيق. لأن الصورة النادرة قد تكون مقصودة وغير مقصودة. والصورة غير المقصودة قد تكون نادرة وغير نادرة. ومن الفروع التي تبنى على دخول الصورة النادرة في العام والمطلق وعدم دخولها - فيهما اختلاف العلماء في جواز دفع السبق - بفتحتين - في المسابقة على الفيل. وإيضاحه - أنه جاء في الحديث الذي رواه أصحاب السنن والإمام أحمد من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال

" لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر "

ولم يذكر فيه ابن ماجه " أو نصل " والفيل ذو خف، وهو صورة نادرة. فعلى القول بدخول الصورة النادرة في العام يجوز دفع السبق - بفتحتين - في المسابقة على الفيلة. والسبق المذكور هو المال المجعول للسابق. وهذا الحديث جعله بعض علماء الأصول مثالا لدخول الصورة النادرة في المطلق لا العام. قال لأن قوله " إلا في خف " نكرة في سياق الإثبات. لأن ما بعد " إلا " مثبت، والنكرة في سياق الإثبات إطلاق لا عموم. وجعله بعض أهل الأصول مثالا لدخول الصورة النادرة في العام. قال الشيخ زكريا وجه عمومه مع أنه نكرة في الإثبات أنه في حيز الشرط معنى، إذ التقدير إلا إذا كان في خف. والنكرة في سياق الشرط تعم، وضابط الصورة النادرة عند أهل الأصول هي أن يكون ذلك الفرد لا يخطر غالبا ببال المتكلم لندرة وقوعه. ومن أمثلة الاختلاف في الصورة النادرة هل تدخل في العام والمطلق أولا - اختلاف العلماء في وجوب الغسل من خروج المني الخارج بغير لذة، كمن تلدغه عقرب في ذكره فينزل منه المني. وكذلك الخارج بلذة غير معتادة كالذي ينزل في ماء حار، أو تهزه دابة فينزل منه المني فنزول المني بغير لذة، أو بلذة غير معتادة صورة نادرة، ووجوب الغسل منه يجري على الخلاف المذكور في دخول الصور النادرة في العام والمطلق وعدم دخولها فيهما. فعلى دخول تلك الصورة النادرة في عموم " إنما الماء من الماء " فالغسل واجب، وعلى العكس فلا.

ومن أمثلة ذلك في المطلق ما لو أوصى رجل برأس من رقيقه، فهل يجوز دفع الخنثى أولا. فعلى دخول الصورة النادرة في المطلق يجوز دفع الخنثى، وعلى العكس فلا. ومن أمثلة الاختلاف في دخول الصورة غير المقصودة في الإطلاق. ما لو وكل آخر على أن يشتري له عبدا ليخدمه، فاشترى الوكيل عبدا يعتق على الموكل، فالموكل لم يقصد من يعتق عليه، وإنما أراد خادما يخدمه، فعلى دخول الصورة غير المقصودة في المطلق يمضي البيع ويعتق العبد، وعلى العكس فلا. وإلى هاتين المسألتين أشار في المراقي بقوله

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٨٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٨٣٧