تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعدها في الأرض "

وتلك العصابة كان تحتها سادة المسلمين يومئذ، وسادة الملائكة حتى جبريل عليه السلام. كما قال حسان بن ثابت في قصيدة له في بيت يقال بأنه أفخر بيت قالته العرب

وببئر بدر إذ يرد وجوههم جبريل تحت لوائنا ومحمد

فلو كان الخضر حيا لكان وقوفه تحت هذه الراية أشرف مقاماته، وأعظم غزواته. قال القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلي سئل بعض أصحابنا عن الخضر هل مات؟ فقال نعم. قال وبلغني مثل هذا عن أبي طاهر بن العبادي قال وكان يحتج بأنه لو كان حيا لجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - نقله ابن الجوزي في العجالة.

فإن قيل فهل يقال إنه كان حاضرا في هذه المواطن كلها ولكن لم يكن أحد يراه؟ فالجواب أن الأصل عدم هذا الاحتمال البعيد الذي يلزم منه تخصيص العمومات بمجرد التوهمات. ثم ما الحامل له على هذا الاختفاء؟ وظهوره أعظم لأجره، وأعلى في مرتبته، وأظهر لمعجزته. ثم لو كان باقيا بعده لكان تبليغه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأحاديث النبوية، والآيات القرآنية، وإنكاره لما وقع من الأحاديث المكذوبة، والروايات المقلوبة، والآراء البدعية، والأهواء العصبية، وقتاله مع المسلمين في غزواتهم، وشهوده جمعهم وجماعاتهم، ونفعه إياهم، ودفعه الضرر عنهم مما سواهم، وتسديده العلماء والحكام، وتقريره الأدلة والأحكام - أفضل مما يقال من كونه في الأمصار، وجوبه الفيافي والأقطار، واجتماعه بعباد لا تعرف أحوال كثير منهم، وجعله كالنقيب المترجم عنهم؟! وهذا الذي ذكرته لا يتوقف أحد فيه بعد التفهم، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. انتهى من البداية والنهاية لابن كثير رحمه الله تعالى. فتحصل أن الأحاديث المرفوعة التي تدل على وجود الخضر حيا باقيا لم يثبت منها شيء. وأنه قد دلت الأدلة المذكورة على وفاته، كما قدمنا إيضاحه. وممن بين ضعف الأحاديث الدالة على حياة الخضر، وبقائه - ابن كثير في تاريخه وتفسيره. وبين كثيرا من أوجه ضعفها ابن حجر في الإصابة. وقال ابن كثير في البداية والنهاية بعد أن ساق الأحاديث والحكايات الواردة في حياة الخضر وهذه الروايات والحكايات هي عمدة من ذهب إلى حياته إلى اليوم. وكل من الأحاديث المرفوعة ضعيفة جدا، لا تقوم بمثلها حجة في الدين. والحكايات لا يخلو أكثرها من ضعف في الإسناد. وقصاراها أنها صحيحة إلى من ليس بمعصوم من صحابي أو غيره. لأنه يجوز عليه الخطأ والله أعلم، إلى أن قال رحمه الله وقد تصدى الشيخ أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله في كتابه عجلة المنتظر في شرح حالة الخضر للأحاديث الواردة في ذلك المرفوعات - فبين أنها موضوعات، ومن الآثار عن الصحابة والتابعين فمن بعدهم. فبين ضعف أسانيدها ببيان أحوالها، وجهالة رجالها، وقد أجاد في ذلك وأحسن الانتقاد - اه منه. واعلم أن جماعة من أهل العلم ناقشوا الأدلة التي ذكرنا أنها تدل على وفاته. فزعموا أنه لا يشمله عموم

وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد

الأنبياء 34 ولا عموم حديث

" أرأيتكم ليلتكم هذه فإنه على رأس مائة سنة لم يبق على ظهر الأرض أحد ممن هو عليها اليوم "

كم تقدم. قال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره رحمه الله تعالى ولا حجة لمن استدل به - يعني الحديث المذكور على بطلان من يقول إن الخضر حي لعموم قوله " ما من نفس منفوسة.

. " لأن العموم وإن كان مؤكد الاستغراق ليس نصا فيه، بل هو قابل للتخصيص، فكما لم يتناول عيسى عليه السلام فإنه لم يمت ولم يقتل، بل هو حي بنص القرآن ومعناه. ولا يتناول الدجال مع أنه حي بدليل حديث الجساسة فكذلك لم يتناول الخضر عليه السلام، وليس مشاهدا للناس، ولا ممن يخالطهم حتى يخطر ببالهم حاله مخاطبة بعضهم بعضا، فمثل هذا العموم لا يتناوله. وقيل إن أصحاب الكهف أحياء، ويحجون مع عيسى عليه السلام كما تقدم. وكذلك فتى موسى في قول ابن عباس كما ذكرنا اه منه. قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له كلام القرطبي هذا ظاهر السقوط كما لا يخفى على من له إلمام بعلوم الشرع، فإنه اعترف بأن حديث النبي صلى الله عليه وسلم عام في كل نفس منفوسة عموما مؤكدا، لأن زيادة " من " قبل النكرة في سياق النفي تجعلها نصا صريحا في العموم لا ظاهرا فيه كما هو مقرر في الأصول. وقد أوضحناه في سورة " المائدة ". ولو فرضنا صحة ما قاله - القرطبي رحمه الله تعالى من أنه ظاهر في العموم - لا نص فيه، وقررنا أنه قابل للتخصيص كما هو الحق في كل عام، فإن العلماء مجمعون على وجوب استصحاب عموم العام حتى يرد دليل مخصص صالح للتخصيص سندا ومتنا. فالدعوى المجردة عن دليل من كتاب أوسنة لا يجوز أن يخصص بها نص من كتاب أو سنة إجماعا. وقوله " إن عيسى لم يتناوله عموم الحديث " فيه أن لفظ الحديث من أصله لم يتناوله عيسى، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٨٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٨٣٦