ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا
الإسراء 89، وقوله تعالى
ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا
الإسراء 41، وقوله
وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا
طه 113، وقوله
ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون
الزمر 27-28، وقوله
ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون
الروم 58. والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا. وقوله في هذه الآية ﴿ وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ﴾ أي أكثر الأشياء التي من شأنها الخصومة إن فصلتها واحدا بعد واحد.
" جدلا " أي خصومة ومماراة بالباطل لقصد إدحاض الحق. ومن الآيات الدالة على خصومة الإنسان بالباطل لإدحاض الحق - قوله هنا
ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق
الكهف 56، وقوله تعالى
والذين يحآجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم
الشورى 16 الآية، وقوله تعالى
أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين
يس 77، إلى غير ذلك من الآيات. وما فسرنا به قوله تعالى ﴿ وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ﴾ الكهف 54 من أن معناه كثرة خصومة الكفار ومماراتهم بالباطل ليدحضوا به الحق هو السباق الذي نزلت فيه الآية الكريمة، لأن قوله ﴿ ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل ﴾ أي ليذكروا ويتعظوا وينيبوا إلى ربهم بدليل قوله
ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا
الإسراء 41، وقوله
وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون
الحشر 21 فلما أتبع ذلك بقوله ﴿ وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ﴾ - علمنا من سياق الآية أن الكفار أكثروا الجدل والخصومة والمراء لإدحاض الحق الذي أوضحه الله بما ضربه في هذا القرآن من كل مثل. ولكن كون هذا هو ظاهر القرآن وسبب النزول لا ينافي تفسير الآية الكريمة بظاهر عمومها. لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما بيناه بأدلته فيما مضى. ولأجل هذا
" لما طرق النبي صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة رضي الله عنهما ليلة فقال " ألا تصليان؟ " وقال علي رضي الله عنه يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا. انصرف النبي صلى الله عليه وسلم راجعا وهو يضرب فخذه ويقول " وكان الإنسان أكثر شيء جدلا "
والحديث مشهور متفق عليه. فإيراده صلى الله عليه وسلم الآية على قول علي رضي الله عنه " إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا " - دليل على عموم الآية الكريمة، وشمولها لكل خصام وجدل، لكنه قد دلت آيات أخر على أن من الجدل ما هو محمود مأمور به لإظهار الحق، كقوله تعالى
وجادلهم بالتي هي أحسن
النحل 125، وقوله تعالى
ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن
العنكبوت 46. وقوله " جدلا " منصوب على التمييز، على حد قوله في الخلاصة
والفاعل المعنى انصبن بأفعلا مفضلا كانت أعلى منزلا
وقوله ﴿ أكثر شيء جدلا ﴾ أي أكثر الأشياء التي يتأتى منها الجدل جدلا كما تقدم. وصيغة التفضيل إذا أضيفت إلى نكرة كما في هذه الآية، أو جردت من الإضافة والتعريف بالألف واللام - لزم إفرادها وتذكيرها كما عقده في الخلاصة بقوله
وإن لمنكور يضف أو جردا ألزم تذكيرا وأن يوحدا
وقال ابن جرير رحمه الله في تفسير هذه الآية الكريمة مبينا بعض الآيات المبينة للمراد بجدل الإنسان في الآية الكريمة، بعد أن ساق سنده إلى ابن زيد في قوله ﴿ وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ﴾ قال الجدل الخصومة - خصومة القوم لأنبيائهم وردهم عليهم ما جاؤوا به.
وقرأ
ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون
المؤمنون 33 وقرأ
يريد أن يتفضل عليكم