تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقوله ﴿ أحاط بهم ﴾ أي أحدق بهم من كل جانب. وقوله ﴿ سرادقها ﴾ أصل السرادق واحد السرادقات التي تمد فوق صحن الدار. وكل بيت من كرسف فهو سرادق. والكرسف القطن، ومنه قول رؤبة أو الكذاب الحرمازي

يا حكم بن المنذر بن الجارود سرادق المجد عليك ممدود

وبيت مسردق أي مجعول له سرادق، ومنه قول سلامة بن جندل يذكر أبريويز وقتله للنعمان بن المنذر تحت أرجل الفيلة

هو المدخل النعمان بيتا سماؤه صدور الفيول بعد بيت مسردق

هذا هو أصل معنى السرادق في اللغة. ويطلق أيضا في اللغة على الحجرة التي حول الفسطاط. وأما المراد بالسرادق في الآية الكريمة ففيه للعلماء أقوال مرجعها إلى شيء واحد، وهو إحداق النار بهم من كل جانب، فمن العلماء من يقول " سرادقها " أي سورها، قاله ابن الأعرابي وغيره. ومنهم من يقول " سرادقها " سور من نار، وهو مروي عن ابن عباس. ومنهم من يقول " سرادقها " عنق يخرج من النار فيحيط بالكفار كالحظيرة، قاله الكلبي ومنهم من يقول هو دخان يحيط بهم. وهو المذكور في " المرسلات " في قوله تعالى

انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب

المرسلات 30-31، و " الواقعة " في قوله

وظل من يحموم لا بارد ولا كريم

الواقعة 43-44. ومنهم من يقول هو البحر المحيط بالدنيا.

وروى يعلى بن أمية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال

" البحر هو جهنم "

- ثم تلا - نارا أحاط بهم سرادقها - ثم قال

" والله لا أدخلها أبدا ما دمت حيا ولا تصيبني منها قطرة "

ذكره الماوردي. وروى ابن المبارك من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال

" لسرادق النار أربعة جدر كثف، كل جدار مسيرة أربعين سنة "

وأخرجه أبو عيسى الترمذي وقال فيه حديث حسن صحيح غريب. انتهى من القرطبي. و هذا الحديث رواه أيضا الإمام أحمد وابن جرير وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن حبان، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه وابن أبي الدنيا. قاله صاحب الدر المنثور وتبعه الشوكاني. وحديث يعلى بن أمية رواه أيضا ابن جرير في تفسيره. قال الشوكاني ورواه أحمد والبخاري وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، ورواه صاحب الدر المنثور عن البخاري في تاريخه وأحمد وابن أبي الدنيا وابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي. وعلى كل حال، فمعنى الآية الكريمة أن النار محيطة بهم من كل جانب، كما قال تعالى

لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش

الأعراف 41، وقال

لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل

الزمر 16، وقال

لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون

الأنبياء 39 إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية الكريمة ﴿ وإن يستغيثوا ﴾ يعني إن يطلبوا الغوث مما هم فيه من الكرب يغاثوا، يؤتوا بغوث هو ماء كالمهل. والمهل في اللغة يطلق على ما أذيب من جواهر الأرض، كذائب الحديد والنحاس، والرصاص ونحو ذلك. ويطلق أيضا على دردي الزيت وهو عكره. والمراد بالمهل في الآية ما أذيب من جواهر الأرض. وقيل دردي الزيت. وقيل هو نوع من القطران. وقيل السم. فإن قيل أي إغاثة في ماء كالمهل مع أنه من أشد العذاب، وكيف قال الله تعالى ﴿ يغاثوا بمآء كالمهل ﴾. فالجواب - أن هذا من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن. ونظيره من كلام العرب قول بشر بن أبي حازم

غضبت تميم أن تقتل عامر يوم النسار فأعتبوا بالصيلم

فمعنى قوله " أعتبوا بالصيلم " أي أرضوا بالسيف. يعني ليس لهم منا إرضاء إلا بالسيف. وقول عمرو بن معد يكرب

وخيل قد دلفت لها بخيل تحية بينهم ضرب وجيع

يعنى لا تحية لهم إلا الضرب الوجيع. وإذا كانوا لا يغاثون إلا بماء كالمهل - علم من ذلك أنهم لا إغاثة لهم ألبتة. والياء في قوله " يستغيثوا " والألف في قوله " يغاثوا " كلتاهما مبدلة من واو، لأن مادة الاستغاثة من الأجوف الواوي العين، ولكن العين أعلت للساكن الصحيح قبلها، على حد قوله في الخلاصة

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٧٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٧٩٦