تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل علي مسرورا تبرق أسارير وجهه فقال " ألم ترى أن مجززا المدلجي نظر آنفا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد عليهما قطيفة، قد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما فقال إن بعض هذه الأقدام لمن بعض " وفي حديث يونس بن يزيد وكان مجزز قائفا اه بواسطة نقل القرطبي في تفسيره. قال مقيدة عفا الله عنه من المعلوم أن العلماء اختلفوا في اعتبار أقوال القافة. فذهب بعضهم إلى عدم اعتبارها. واحتج من قال بعدم اعتبارها بقصة الأنصارية التي لاعنت زوجها وجاءت بولد شبيه جدا بمن رميت به ولم يعتبر هذا الشبه النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يحكم بأن الولد من زنى ولم يجلد المرأة. قالوا فلو كان الشبه تثبت به الأنساب لأثبت النبي صلى الله عليه وسلم به أن ذلك الولد من ذلك الرجل الذي رميت به. فيلزم على ذلك إقامة الحد عليها، والحكم بأن الولد ابن زنى، ولم يفعل النبي صلى الله عليه وسلم شيئا من ذلك كما يأتي إيضاحه في سورة النور إن شاء الله تعالى. وهذا القول بعدم اعتبار أقوال القافة مروي عن أبي حنيفة وإسحاق والثوري وأصحابهم. وذهب جمهور أهل العلم إلى اعتبار أقوال القافة عند التنازع في الولد، محتجين بما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم سر بقول مجزز بن الأعور المدلجي إن بعض هذه الأقدام من بعض، حتى برقت أسارير وجهه من السرور. قالوا وما كان صلى الله عليه وسلم ليسر بالباطل ولا يعجبه، بل سروره بقول القائف دليل على أنه من الحق لا من الباطل، لأن تقديره وحده كاف في مشروعية ما قرر عليه، وأخرى من ذلك ما لو زاد السرور بالأمر على التقرير عليه، وهو واضح كما ترى. واعلم أن الذين قالوا باعتبار أقوال القافة اختلفوا فمنهم من قال لا يقبل ذلك إلا في أولاد الإماء دون أولاد الحرائر. ومنهم من قال يقبل ذلك في الجميع. قال مقيدة عفا الله عنه التحقيق باعتبار ذلك في أولاد الحرائر والإماء لأن سرور النبي صلى الله عليه وسلم وقع في ولد حرة، وصورة سبب النزول قطعية الدخول كما تقرر في الأصول، وهو قول الجمهور وهو الحق، خلافا للإمام مالك رحمه الله قائلا إن صورة السبب ظنية الدخول، وعقده صاحب مراقي السعود بقوله

واجزم بإدخال ذوات السبب وارو عن الإمام ظنا تصب

تنبيهان الأول- لا تعتبر أقوال القافة في شبه مولود برجل إن كانت أمه فراشا لرجل آخر.

" لأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى شدة شبه الولد الذي اختصم فيه سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة بعتبة بن أبي وقاص ولم يؤثر عنده هذا الشبه في النسب لكون أم الولد فراشا لزمعة. فقال صلى الله عليه وسلم " الولد للفراش وللعاهر الحجر " ولكنه صلى الله عليه وسلم اعتبر هذا الشبه من جهة أخرى غير النسب. فقال لسودة بنت زمعة رضي الله عنها " احتجبي عنه "

مع أنه ألحقه بأبيها فلم ير سودة قط. وهذه المسألة أصل عند المالكية في مراعاة الخلاف كما هو معلوم عندهم. التنبيه الثاني قال بعض علماء العربية أصل القفو البهت والقذف بالباطل. ومنه الحديث الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم

" نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفوا أمنا ولا ننتفي من أبينا "

أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه وغيرهما من حديث الأشعث بن قيس. وساق طرق هذا الحديث ابن كثير في تاريخه. وقوله " لا نقفوا أمنا " أي لا نقذف أمنا ونسبها، ومنه قول الكميت

فلا أرمي البريء بغير ذنب ولا أقفوا الحواصن إن قفينا

وقول النابغة الجعدي

ومثل الدمى شم العرانين ساكن بهن الحياء لا يشعن التقافيا

والذي يظهر لنا أن أصل القفو في لغة العرب الاتباع كما هو معلوم من اللغة. ويدخل فيه اتباع المساوي كما ذكره من قال إن أصله القذف والبهت. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿ إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا ﴾ فيه وجهان من التفسير الأول - أن معنى الآية -أن الإنسان يسأل يوم القيامة عن أفعال جوارحه فيقال له لم سمعت ما لا يحل لك سماعه؟ ولم نظرت إلى ما لا يحل لك النظر إليه!؟ ولم عزمت على ما لم يحل لك العزم عليه!؟ ويدل لهذا المعنى آيات من كتاب الله تعالى، كقوله

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٧٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٧٢٠