تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر "

قال فحدثت بهذا الحديث أبا بكر بن عمرو بن حزم فقال هكذا حدثني أبوسلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة.

وقال عبد العزيز بن المطلب، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبي سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله اه. فهذا الحديث المتفق عليه يدل على بطلان قول من منع الاجتهاد من أصله في الأحكام الشرعية. ومحاولة ابن حزم تضعيف هذا الحديث المتفق عليه، الذي رأيت أنه في أعلى درجات الصحيح لاتفاق الشيخين عليه لا تحتاج إلى إبطالها لظهور سقوطها كما ترى. لأنه حديث متفق عليه مروي بأسانيد صحيحة عن صحابيين جليلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومن الأدلة الدالة على ذلك ما روي

" عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن قال له " فبم تحكم؟ " قال بكتاب الله. قال " فإن لم تجد؟ " قال بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال " فإن لم تجد؟ " قال أجتهد رأيي. قال فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدره وقال الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم ".

قال ابن كثير رحمه الله في مقدمة تفسيره بعد أن ذكر هذا الحديث قالوا هذا الحديث ما نصه وهذا الحديث في المسند والسنن بإسناد جيد كما هو مقرر في موضوعه وقال ابن قدامة في " روضة الناظر " بعد أن ساق هذا الحديث يرويه الحارث بن عمرو عن رجال من أهل حمص، والحارث والرجال مجهولون. قاله الترمذي. قلنا قد رواه عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ رضي الله عنه. انتهى. ومراد ابن قدامة ظاهر. لأن رد الظاهرية لهذا الحديث بجهالة من رواه عن معاذ مردود بأنه رواه عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم عنه. وهذه الرواية ليست هي مراد ابن كثير بقوله هذا الحديث في المسند والسنن بإسناد جيد لأنها ليست في المسند ولا في السنن، ولعل مراده بجودة هذا الإسناد أن الحارث ابن أخي المغيرة بن شعبة وثقة ابن حبان، وأن أصحاب معاذ يراهم عدولا ليس فيهم مجروح ولا متهم، وسيأتي استقصاء البحث في طرق هذا الحديث في سورة الأنبياء. ومعلوم أن عبادة بن نسي ثقة فاضل كما قدمنا. وعبد الرحمن بن غنم قيل صحابي، وذكره العجلي في كبار ثقات التابعين، قاله في التقريب. وحديث معاذ هذا تلقته الأمة قديما وحديثا بالقبول. وسيأتي إن شاء الله " في سورة الأنبياء " ، و " سورة الحشر " ما استدل به أهل العلم على هذا من آيات القرآن العظيم. ومن الأدلة الدالة على أن إلحاق النظير بنظيره في الشرع جائز ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما

" عن ابن عباس رضي الله عنهما قال جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قال " أفرأيت لو كان على أمك دين فقضيته، أكان يؤدي ذلك عنها؟ قالت نعم. قال " فصومي عن أمك "

وفي رواية لهما عنه قال

" جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يارسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ قال " لو كان على أمك دين، أكنت قاضيه عنها؟ " قال نعم. قال " فدين الله أحق أن يقضى "

انتهى. واختلاف الرواية في هذا الحديث لا يعد اضطرابا، لأنها وقائع متعددة سألته امرأة فأفتاها، وسأله رجل فأفتاه بمثل ما أفتى به المرأة، كما نبه عليه غير واحد. وهذا نص صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، صريح في مشروعية إلحاق النظير بنظيره المشارك له في علة الحكم. لأنه صلى الله عليه وسلم بين إلحاق دين الله تعالى بدين الآدمي، بجامع أن الكل حق مطالب به تسقط المطالبة به بأدائه إلى مستحقه. وهو واضح في الدلالة على القياس كما ترى. ومن الأدلة الدالة على ذلك أيضا ما رواه الشيخان في صحيحيهما أيضا

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٧١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٧١٨