تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" عقل الكافر نصف عقل المؤمن "

وقال ابن ماجه رحمه الله في سننه حدثنا هشام بن عمار، ثنا حاتم بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن عياش،

" عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " قضى أن عقل أهل الكتابين نصف عقل المسلمين، وهم اليهود والنصارى ". "

وأخرج نحوه الإمام أحمد، والترمذي، عن عمرو عن أبيه عن جده. قال الشوكاني في " نيل الأوطار ". وحديث عمرو بن شعيب هذا حسنه الترمذي، وصححه ابن الجارود. وبهذا تعلم أن هذا القول أولى من قول من قال دية أهل الذمة كدية المسلمين. كأبي حنيفة ومن وافقه. ومن قال إنها قدر ثلث دية المسلم. كالشافعي ومن وافقه. والعلم عند الله تعالى. واعلم أن الروايات التي جاءت بأن دية الذمي والمعاهد كدية المسلم ضعيفة لايحتج بها. وقد بين البيهقي رحمه الله تعالى ضعفها في " السنن الكبرى " وقد حاول ابن التركماني رحمه الله في حاشيته على سنن البيهقي أن يجعل تلك الروايات صالحة للاحتجاج، وهي ليس فيها شيء صحيح.

أما الاستدلال بظاهر قوله تعالى

ودية مسلمة إلى أهله

النساء92 فيقال فيه هذه دلالة اقتران، وهي غير معتبرة عند الجمهور. وغاية ما في الباب أن الآية لم تبين قدر دية المسلم ولا الكافر، والسنة بينت أن دية الكافر على النصف من دية المسلم. وهذا لا إشكال فيه. أما استواؤهما في قدر الكفارة فلا دليل فيه على الدية. لأنها مسألة أخرى. والأدلة التي ذكرنا دلالتها أنها على النصف من دية المسلم أقوى، ويؤيدها أن في الكتاب الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم

" وفي النفس المؤمنة مائة من الإبل "

فمفهوم قوله " المؤمنة " أن النفس الكافرة ليست كذلك. على أن المخالف في هذا الإمام أبو حنيفة رحمه الله، والمقرر في أصوله أنه لا يعتبر دليل الخطاب أعني مفهوم المخالفة كما معلوم هو عنه. ولا يقول بحمل المطلق على المقيد. فيستدل بإطلاق النفس عن قيد الإيمان في الأدلة الأخرى على شمولها للكافر. والقول بالفرق بين الكافر المقتول عمدا فتكون ديته كدية المسلم، وبين المقتول خطأ فتكون على النصف من دية المسلم - لا نعلم له مستندا من كتاب ولا سنة. والعلم عند الله تعالى. وأما دية المجوسي - فأكثر أهل العلم على أنها ثلث خمس دية المسلم. فهي ثمانمائة درهم. ونساؤهم على النصف من ذلك. وهذا قول مالك، والشافعي، وأحمد، وأكثر أهل العلم. منهم عمر وعثمان، وابن مسعود رضي الله عنهم، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعطاء، وعكرمة، والحسن، وإسحاق. وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال ديته نصف دية المسلم كدية الكتابي. وقال النخعي، والشعبي ديته كدية المسلم. وهذا هو مذهب أبي حنيفة رحمه الله.

" والاستدلال على أن دية المجوسي كدية الكتابي بحديث " سنوا بهم سنة أهل الكتاب "

لا يتجه. لأنا لو فرضنا صلاحية الحديث للاحتجاج، فالمراد به أخذ الجزية منهم فقط. بدليل أن نساءهم لا تحل، وذبائحهم لا تؤكل اه. وقال ابن قدامة في " المغني " إن قول من ذكرنا من الصحابة إن دية المجوسي ثلث خمس دية المسلم، لم يخالفهم فيه أحد من الصحابة فصار إجماعا سكوتيا. وقد قدمنا قول من قال إنه حجة. وقال بعض أهل العلم دية المرتد إن قتل قبل الاستتابة كدية المجوسي. وهو مذهب مالك. وأما الحربيون فلا دية لهم مطلقا. والعلم عند الله تعالى. الفرع السابع - اعلم أن العلماء اختلفوا في موجب التغليظ في الدية. وبم تغلظ. فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنها تغلظ بثلاثة أشياء وهي القتل في الحرم، وكون المقتول محرما بحج أو عمرة، أو في الأشهر الحرم.

فتغلظ الدية في كل واحد منها بزيادة ثلثها. فمن قتل محرما فعليه دية وثلث. ومن قتل محرما في الحرم فدية وثلثان. ومن قتل محرما في الحرم في الشهر الحرام فديتان. وهذا مذهب الإمام أحمد رحمه الله. وروي نحوه عن عمر، وعثمان، وابن عباس رضي الله عنهم. نقله عنهم البيهقي وغيره. وممن روى عنه هذا القول سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعطاء، وطاوس، والشعبي، ومجاهد، وسليمان بن يسار، وجابر بن زيد. وقتادة، والأوزاعي، وإسحاق، وغيرهم. كما نقله عنهم صاحب المغني. وقال أصحاب الشافعي رحمه الله تغلظ الدية بالحرم، والأشهر الحرم، وذي الرحم المحرم، وفي تغليظها بالإحرام عنهم وجهان. وصفة التغليظ عند الشافعي هي أن تجعل دية العمد في الخطأ. ولا تغلظ الدية عند مالك رحمه الله في قتل الوالد ولده قتلا شبه عمد. كما فعل المدلجي بأبيه. والجد والأم عنده كالأب. وتغليظها عنده هو تثليثها بكونها ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة في بطونها أولادها، لا يبالي من أي الأسنان كانت. ولا يرث الأب عنده في هذه الصورة من دية الولد ولا من ماله شيئا. وظاهر الأدلة أن القاتل لا يرث مطلقا من دية ولا غيرها، سواء كان القاتل عمدا أو خطأ. وفرق المالكية في الخطأ بين الدية وغيرها. فمنعوا ميراثه من الدية دون غيرها من مال التركة. والإطلاق أظهر من هذا التفصيل، والله أعلم. وقصة المدلجي هي ما رواه مالك في الموطأ، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن شعيب ان رجلا من بني مدلج يقال له " قتادة " حذف ابنه بالسيف. فأصاب ساقه فنزى في جرحه فمات. فقدم سراقة بن جعشم على عمر بن الخطاب فذكر ذلك له. فقال له عمر أعدد على ماء قديد عشرين ومائة بعير حتى أقدم عليك. فلما قدم إليه عمر بن الخطاب أخذ من تلك الإبل ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة، وقال أين أخو المقتول؟ قال ها أنذا. قال خذها. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٧٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٧٠٢