الإسراء67 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. ولكن الكفار غالطوا أنفسهم لشدة تعصبهم لأوثانهم - فزعموا أنها تقربهم إلى الله زلفى، وأنها شفعاؤهم عند الله. مع أن العقل يقطع بنفي ذلك. الوجه الثالث أن عندهم بقية إنذار مما جاءت به الرسل الذين أرسلوا قبل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. كإبراهيم وغيره. وأن الحجة قائمة عليهم بذلك. وجزم بهذا النووي في شرح مسلم، ومال إليه العبادي في الآيات البينات.
الوجه الرابع - ما جاء من الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، الدالة على أن بعض أهل الفترة في النار. كما قدمنا بعض الأحاديث الواردة بذلك في صحيح مسلم وغيره. وأجاب القائلون بعذرهم بالفترة عن هذه الأوجه الأربعة -فأجابوا عن الوجه الأول، وهو كون التعذيب في قوله ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ﴾ الإسراء15 إنما هو التعذيب الدنيوي دون الأخروي من وجهين الأول - أنه خلاف ظاهر القرآن. لأن ظاهر القرآن انتفاء التعذيب مطلقا، فهو أعم من كونه في الدنيا. وصرف القرآن عن ظاهره ممنوع إلا بدليل يجب الرجوع إليه. الوجه الثاني - أن القرآن دل في أيات كثيرة على شمول التعذيب المنفي في الآية للتعذيب في الآخرة. كقوله
كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتهآ ألم يأتكم نذير قالوا بلى
الملك8-9 وهو دليل على أن جميع أفواج أهل النار ما عذبوا في الآخرة إلى بعد إنذار الرسل. كما تقدم إيضاحه بالآيات القرآنية. وأجابوا عن الوجه الثاني - وهو أن محل العذر بالفترة في غير الواضح الذي لا يخفى على أحد - بنفس الجوابين المذكورين آنفا. لأن الفرق بين الواضح وغيره مخالف لظاهر القرآن، فلا بد له من دليل يجب الرجوع إليه، ولأن الله نص على أن أهل النار ما عذبوا بها حتى كذبوا الرسل في دار الدنيا، بعد إنذارهم من ذلك الكفر الواضح، كما تقدم إيضاحه. وأجابوا عن الوجه الثالث الذي جزم به النووي، وما إليه العبادي وهو قيام الحجة عليهم بإنذار الرسل الذين أرسلوا قبله صلى الله عليه وسلم بأنه قول باطل بلا شك، لكثرة الآيات القرآنية المصرحة ببطلانه، لأن مقتضاه أنهم أنذروا على ألسنة بعض الرسل والقرآن ينفي هذا نفيا باتا في آيات كثيرة. كقوله في " يس "
لتنذر قوما مآ أنذر آبآؤهم فهم غافلون
يس6 و " ما " في قوله ﴿ مآ أنذر آبآؤهم ﴾ نافية على التحقيق، لا موصولة، وتدل لذلك الفاء في قوله ﴿ فهم غافلون ﴾ ، وكقوله في " القصص "
وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما مآ أتاهم من نذير من قبلك
القصص46 الآية، وكقوله في " سبأ "
ومآ آتيناهم من كتب يدرسونها ومآ أرسلنا إليهم قبلك من نذير
سبأ44، وكقوله في " ألم السجدة "
أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما مآ أتاهم من نذير من قبلك
السجدة3 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وأجابوا عن الوجه الرابع - بأن تلك الأحاديث الواردة في صحيح مسلم وغيره أخبار آحاد يقدم عليها القاطع، وهو قوله ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ﴾ الإسراء15، وقوله
كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتهآ ألم يأتكم نذير قالوا بلى
الملك8-9، ونحو ذلك من الآيات. وأجاب القائلون بالعذر بالفترة أيضا عن الآيات التي استدل بها مخالفوهم كقوله
ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما
النساء18، إلى آخر ما تقدم من الآيات - بأن محل ذلك فيما إذا أرسلت إليهم الرسل فكذبوهم بدليل قوله ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ﴾ الإسراء15. وأجاب القائلون بتعذيب عبدة الأوثان من أهل الفترة عن قول مخالفيهم إن القاطع الذي هو قوله تعالى ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ﴾ يجب تقديمه على أخبار الآحاد الدالة على تعذيب بعض أهل الفترة، كحديثي مسلم في صحيحه المتقدمين - بأن الآية عامة، والحديثين كلاهما خاص في شخص معين. والمعروف في الأصول أنه لا يتعارض عام وخاص. لأن الخاص يقضي على العام كما هو مذهب الجمهور، خلافا لأبي حنيفة رحمه الله، كما بيناه في غير هذا الموضع. فما أخرجه دليل خاص خرج من العموم، وما لم يخرجه دليل خاص بقي داخلا في العموم. كما تقرر في الأصول. وأجاب المانعون بأن هذا التخصيص يبطل حكمة العام. لأن الله جل وعلا تمدح بكمال الإنصاف. وأنه لا يعذب حتى يقطع حجة المعذب بإنذار الرسل في دار الدنيا، وأشار لأن ذلك الإنصاف الكامل، والإعذار الذي هو قطع العذر علة لعدم التعذيب. فلو عذب إنسانا واحدا من غير إنذار لاختلت تلك الحكمة التي تمدح الله بها، ولثبتت لذلك الإنسان الحجة التي أرسل الله الرسل لقطعها. كما بينه بقوله