تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كالبياض والبرودة، والكلام والقعود، والسواد والحلاوة. فحقيقة البياض في حد ذاتها تباين حقيقة البرودة، ولكن البياض والبرودة يمكن اجتماعهما في ذات واحدة كالثلج. وكذلك الكلام والقعود فإن حقيقة الكلام تباين حقيقة القعود، مع إمكان أن يكون الشخص الواحد قاعدا متكلما في وقت واحد. وهكذا. فالنسبة بين التمسك بالدين والتقدم بالنظر إلى حكم العقل من هذا القبيل، فكما أن الجرم الأبيض يجوز عقلا أن يكون باردا كالثلج، والإنسان القاعد يجوز عقلا ان يكون متكلما، فكذلك المتمسك بالدين يجوز عقلا أن يكون متقدما. إذ لا مانع في حكم العقل من كون المحافظ على امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، مشتغلا في جميع الميادين التقدمية كما لا يخفى، وكما عرفه التاريح للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن تبعهم بإحسان. أما بالنظر إلى نصوص الكتاب والسنة كقوله تعالى

ولينصرن الله من ينصره

الحج40 الآية، وقوله

وكان حقا علينا نصر المؤمنين

الروم47، وقوله

ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون

الصافات171-173، وقوله

كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز

المجادلة21،وقوله

إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا

غافر51 الآية، وقوله

قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين

التوبة14، ونحو ذلك من الآيات وما في معناها من الأحاديث. فإن النسبة بين التمسك بالدين والتقدم، كالنسبة بين الملزوم ولازمه. لأن التمسك بالدين ملزوم للتقدم، بمعنى أنه يلزم عليه التقدم، كما صرحت به الآيات المذكورة. ومعلوم أن النسبة بين الملزوم ولازمه لا تعدو أحد أمرين إما أن تكون المساواة أو الخصوص المطلق، لأن الملزوم لا يمكن أن يكون أعم من لازمه. وقد يجوز أن يكون مساويا له أو أخص منه، ولا يتعدى ذلك. ومثال ذلك الإنسان مثلا، فإنه ملزوم للبشرية والحيوانية، بمعنى أن الإنسان يلزم على كونه إنسانا أن يكون بشرا وأن يكون حيوانا، وأحد هذين اللازمين مساو له في الماصدق وهو البشر. والثاني أعم منه ماصدقا وهو الحيوان، فالإنسان أخص منه خصوصا مطلقا كما هو معروف. فانظر كيف خيلوا لهم أن الربط بين الملزوم ولازمه كالتنافي الذي بين النقيضين والضدين. وأطاعوهم في ذلك لسذاجتهم وجهلهم وعمى بصائرهم، فهم ما تقولوا على الدين الإسلامي ورموه بما هو منه بريء إلا لينفروا منه ضعاف العقول ممن ينتمي للإسلام ليمكنهم الاستيلاء عليهم، لأنهم لو عرفوا الدين حقا واتبعوه لفعلوا بهم ما فعل أسلافهم بأسلافهم، فالدين هو هو، وصلته بالله هي هي، ولكن المنتسبين إليه في جل أقطار الدنيا تنكروا له، ونظروا إليه بعين المقت والازدراء. فجعلهم الله أرقاء للكفرة الفجرة.

ولو راجعوا دينهم لرجع لهم عزهم ومجدهم، وقادوا جميع أهل الأرض. وهذا مما لا شك فيه

ذلك ولو يشآء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض

محمد صلى الله عليه وسلم4. ومن هدي القرآن للتي هي أقوم - بيانه أنه كل من اتبع تشريعا غير التشريع الذي جاء به سيد ولد آدم محمد ابن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه. فاتباعه لذلك التشريع المخالف كفر بواح، مخرج عن الملة الإسلامية.

" ولما قال الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم الشاة تصبح ميتة من قتلها؟ فقال لهم " الله قتلها "

فقالوا له ما ذبحتم بأيديكم حلال، وما ذبحه الله بيده الكريمة تقولون إنه حرام! فأنتم إذن أحسن من الله!؟ - أنزل الله فيهم قوله تعالى

ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليآئهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون

الأنعام121 وحذف الفاء من قوله ﴿ إنكم لمشركون ﴾ يدل على قسم محذوف على حد قوله في الخلاصة

واحذف لدى اجتماع شرط وقسم جواب ما أخرت فهو ملتزم

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٦٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٦٦١