تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأجابه القاضي عبد الوهاب المالكي بقوله

صيانة العضو أغلاها وأرخصها حماية المال فافهم حكمة الباري

وشرح ذلك أن الدية لو كانت ربع دينار لكثرت الجنايات على الأيدي. ولو كان نصاب القطع خمسمائة دينار لكثرت الجنايات على الأموال.

فظهرت الحكمة في الجانبين، وكان في ذلك صيانة من الطرفين. وقد عسر فهم المعنى المقدم ذكره في الفرق بين السرقة وبين النهب ونحوه على بعض منكري القياس فقال القطع في السرقة دون الغصب وغيره غير معقول المعنى. فإن الغصب أكثر هتكا للحرمة من السرقة، فدل على عدم اعتبار القياس. لأنه إذا لم يعمل به في الأعلى فلا يعمل به في المساوي. وجوابه - أن الأدلة على العمل بالقياس أشهر من أن يتكلف لإيرادها. وستأتي الإشارة إلى شيء من ذلك في كتاب الأحكام. اه بواسطة نقل ابن حجر في فتح الباري. قال مقيدة عفا الله عنه الفرق بين السرقة وبين الغصب ونحوه الذي أشار إليه المازري - ظاهر، وهو أن النهب والغصب ونحوهما قليل بالنسبة إلى السرقة، ولأن الأمر الظاهر غالبا توجد البينة عليه بخلاف السرقة. فإن السارق إنما يسرق خفية بحيث لا يطلع عليه أحد، فيعسر الإنصاف منه. فغلظت عليه الجناية ليكون أبلغ في الزجر. والعلم عند الله تعالى. ومن هدي القرآن للتي هي أقوم رجم الزاني المحصن ذكرا كان أو أنثى، وجلد الزاني البكر مائة جلدة ذكرا كان أو أنثى. أما الرجم - فهو منصوص بآية منسوخة التلاوة باقية الحكم، وهي قوله تعالى " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالا من الله والله عزيز حكيم ". وقد قدمنا ذم القرآن للمعرض عما في التوراة من حكم الرجم. فدل القرآن في آيات محكمة - كقوله

يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه

المائدة 41 الآية، وقوله

ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم

المائدة 23 الآية - على ثوبت حكم الرجم في شريعة نبينا صلى الله عليه وسلم لذمه في كتابنا للمعرض عنه كما تقدم. وما ذكرنا من أن حكم الرجم ثابت بالقرآن لا ينافي قول علي رضي الله عنه، حين رجم امرأة يوم الجمعة " رجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ". لأن السنة هي التي بينت أن حكم آية الرجم باق بعد نسخ تلاوتها. ويدل لذلك قول عمر رضي الله عنه في حديثه الصحيح المشهور " فكان مما أنزل إليه آية الرجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها، رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده.. " الحديث. والملحدون يقولون إن الرجم قتل وحشي لا يناسب الحكمة التشريعية، ولا ينبغي أن يكون مثله في الأنظمة التي يعامل بها الإنسان. لقصور إدراكهم عن فهم حكم الله البالغة في تشريعه. والحاصل - أن الرجم عقوبة سماوية معقولة المعنى. لأن الزاني لما أدخل فرجه في فرج امرأة على وجه الخيانة والغدر، فإنه ارتكب أخس جريمة عرفها الإنسان بهتك الأعراض، وتقذير الحرمات، والسعي في ضياع أنساب المجتمع الإنساني.

والمرأة التي تطاوعه في ذلك مثله. ومن كان كذلك فهو نجس قذر لا يصلح للمصاحبة. فعاقبه خالقه الحكيم الخبير بالقتل ليدفع شره البالغ غاية الخبث والخسة، وشر أمثاله عن المجتمع. ويطهره هو من التنجيس بتلك القاذورة التي ارتكب، وجعل قتلته أفظع قتلة. لأن جريمته أفظع جريمة - والجزاء من جنس العمل. وقد دل المطهر على أن إدخال الفرج في الفرج المأذون فيه شرعا يوجب الغسل، والمنع من دخول المسجد على كل واحد منهما حتى يغتسل بالماء. فدل ذلك أن ذلك الفعل يتطلب طهارة في الأصل، وطهارته المعنوية إن كان حراما قتل صاحبه المحصن. لأنه إن رجم كفر ذلك عنه ذنب الزنى، ويبقى عليه حق الآدمي. كالزوج إن زنى بمتزوجة، وحق الأولياء في إلحاق العار بهم كما أشرنا له سابقا. وشدة قبح الزنى أمر مركوز في الطبائع، وقد قالت هند بنت عتبة وهي كافرة ما أقبح ذلك الفعل حلالا! فكيف به وهو حرام! وغلظ جل وعلا عقوبة المحصن بالرجم تغليظا أشد من تغليظ عقوبة البكر بمائة جلدة. لأن المحصن قد ذاق عسيلة النساء، ومن كان كذلك يعسر عليه الصبر عنهن. فما كان الداعي إلى الزنى أعظم، كان الرادع عنه أعظم وهو الرجم. وأما جلد الزاني البكر ذكرا كان أو أنثى مائة جلدة - فهذا منصوص بقوله تعالى

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٦٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٦٥٩