ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذآ إلا سحر مبين
[الأنعام: 7] وقال تعالى:
ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون
[الحجر: 1415] وقال تعالى:
ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشآء الله
[الأنعام: 111] الآية، وقال تعالى:
إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جآءتهم كل آية
[يونس: 9697] الآية. إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم.
وقال الزمخشري في تفسير آية الفرقان هذه: يأكل الطعام كما نأكل، ويتردد في الأسواق كما نتردد. يعنون أنه كان يجب أن يكون ملكا مستغنيا عن الأكل والتعيش، ثم نزلوا عن اقتراحهم أن يكون ملكا إلى اقتراح أن يكون إنسانا معه ملك، حتى يتساعدا في الإنذار والتخويف، ثم نزلوا أيضا فقالوا إن لم يكن مرفودا بذلك، فليكن مرفودا بكنز يلقى إليه من السماء، يستظهر به، لا يحتاج إلى تحصيل المعاش، ثم نزلوا فاقتنعوا بأن يكون له بستان يأكل منه، ويرتزق كالدهاقين أو يأكلون هم من ذلك البستان، فينتفعون به في دنياهم، ومعاشهم انتهى منه، وكل تلك الاقتراحات لشدة تعنتهم، وعنادهم. وقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير حمزة والكسائي يأكل منها بالمثناة التحتية، وقرأ حمزة والكسائي: جنة نأكل منها بالنون، وهذه القراءة هي مراد الزمخشري بقوله: أو يأكلون هم من ذلك البستان.
قوله تعالى: ﴿ وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا ﴾.
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الظالمين وهم الكفار قالوا للذين اتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ﴾ يعنون: أنه أثر فيه السحر فاختلط عقله فالتبس عليه أمره، وقال مجاهد: مسحورا: أي مخدوعا كقوله:
فأنى تسحرون
[المؤمنون: 89]: أي من أين تخدعون، وقال بعضهم: مسحورا: أي له سحر أي رئة فهو لا يستغني عن الطعام والشراب، فهو بشر مثلكم، وليس بملك، وقد قدمنا كلام أهل العلم في قوله: مسحورا بشواهده العربية في سورة طه في الكلام على قوله تعالى:
ولا يفلح الساحر حيث أتى
[طه: 69] ولما ذكر الله هذا الذي قاله الكفار في نبيه صلى الله عليه وسلم، من الإفك والبهتان خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿ انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا ﴾ ، وما قاله الكفار في هذه الآية أعني قولهم: ﴿ إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ﴾ وما قاله الله لنبيه في ذلك، وهو قوله: ﴿ انظر كيف ضربوا لك الأمثال ﴾ الآية. جاء كله مصرحا به في سورة بني إسرائيل في قوله تعالى:
نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا
[الإسراء: 4748].
قال الزمخشري: ضربوا لك الأمثال قالوا فيك تلك الأقوال، واقترحوا لك تلك الصفات والأحوال النادرة، من نبوة مشتركة بين إنسان وملك، وإلقاء كنز عليك من السماء، وغير ذلك، فبقوا متحيرين ضلالا لا يجدون قولا يستقرون عليه، أو فضلوا عن الحق، فلا يجدون طريقا إليه اه.
والأظهر عندي في معنى الآية ما قاله غير واحد من أن معنى: ضربوا لك الأمثال: أنهم تارة يقولون إنك ساحر، وتارة مسحور، وتارة مجنون، وتارة شاعر، وتارة كاهن، وتارة كذاب، ومن ذلك ما ذكر الله عنهم من قوله هنا:
وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه
[الفرقان: 4] الآية، وقوله:
وقالوا أساطير الأولين
[الفرقان: 5] وقوله: ﴿ وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ﴾ وقوله تعالى: ﴿ فضلوا ﴾ أي عن طريق الحق، لأن الأقوال التي قالوها، والأمثال التي ضربوها كلها كذب وافتراء، وكفر مخلد في نار جهنم، فالذين قالوها هم أضل الضالين، وقوله تعالى: ﴿ فلا يستطيعون سبيلا ﴾ فيه أقوال كثيرة متقاربة.