25.5-6
ذكر جل وعلا في الأولى من هاتين الآيتين أن الكفار قالوا: إن هذا القرآن أساطير الأولين أي مما كتبه، وسطره الأولون كأحاديث رستم واسفنديار، وأن النبي صلى الله عليه وسلم جمعه، وأخذه من تلك الأساطير، وأنه اكتتب تلك الأساطير، قال الزمخشري: أي كتبها لنفسه وأخذها، كما تقول: استكب الماء واصطبه إذا سكبه وصبه لنفسه وأخذه، وقوله ﴿ فهي تملى عليه ﴾ أي تلقى إليه، وتقرأ عند إرادته كتابتها ليكتبها، والإملاء إلقاء الكلام على الكاتب ليكتبه، والهمزة مبدلة من اللام تخفيفا، والأصل في الإملاء الإملال باللام ومنه قوله تعالى:
فليكتب وليملل الذي عليه الحق
[البقرة: 282] الآية وقوله: ﴿ بكرة وأصيلا ﴾ البكرة: أول النهار، والأصيل: آخره.
وما ذكره جل وعلا في هذه الآية من أن الكفار قالوا: إن القرآن أساطير الأولين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم تعلمه من غيره، وكتبه جاء موضحا في آيات متعددة كقوله تعالى:
وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشآء لقلنا مثل هذا إن هذآ إلا أساطير الأولين
[الأنفال: 31].
وقد ذكرنا آنفا الآيات الدالة على أنهم افتروا عليه أنه تعلم القرآن من غيره، وأوضحناه تعنتهم، وكذبهم في ذلك في سورة النحل، ودلالة الآيات على ذلك في الكلام على قوله تعالى:
لسان الذي يلحدون إليه أعجمي
[النحل: 103] الآية فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
ومن الآية الدالة على كذبهم في قوله: ﴿ اكتتبها فهي تملى عليه ﴾ قوله تعالى:
وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون
[العنكبوت: 48] وقوله تعالى:
الذين يتبعون الرسول النبي الأمي
[الأعراف: 157] إلى قوله تعالى:
فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي
[الأعراف: 158] الآية، والأمي هو الذي لا يقرأ ولا يكتب وما ذكر جل وعلا في الآية الأخيرة من قوله: ﴿ قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض ﴾ الآية. وجاء أيضا موضحا في آيات أخر كقوله تعالى:
قل نزله روح القدس من ربك
[النحل: 102] الآية، وقوله تعالى:
قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله
[البقرة: 97] الآية. وقوله تعالى:
وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين
[الشعراء: 192195]، وقوله تعالى:
ولا تعجل بالقرآن من قبل إن يقضى إليك وحيه
[طه: 114] وقوله تعالى:
لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه
[القيامة: 1619] وقوله تعالى:
فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل من رب العالمين
[الحاقة: 3843]، وقوله تعالى:
تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى
[طه: 4] إلى غير ذلك من الآيات، وقوله هنا: ﴿ الذي يعلم السر في السماوات والأرض ﴾ أي ومن يعلم السر فلا شك أنه يعلم الجهر.
ومن الآيات الدالة على ما دلت عليه هذه الآية الكريمة من كونه تعالى يعلم السر في السموات والأرض قوله تعالى:
وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى
[طه: 7] وقوله تعالى:
وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور
[الملك: 13] وقوله تعالى:
ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب
[التوبة: 78] وقوله تعالى:
أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون
[الزخرف: 8]، وقوله تعالى:
ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم
[السجدة: 6]، وقوله تعالى:
واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه
[البقرة: 235] الآية، وقوله تعالى:
وما من غآئبة في السمآء والأرض إلا في كتاب مبين
[النمل: 75]، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.
وقوله تعالى: في هذه الآية الكريمة ﴿ إنه كان غفورا رحيما ﴾ ، قال فيه ابن كثير: هو دعاء لهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار لهم بأن رحمته واسعة، وأن حلمه عظيم، وأن من تاب إليه تاب عليه، فهؤلاء مع كذبهم، وافترائهم، وفجورهم، وبهتانهم، وكفرهم، وعنادهم، وقولهم عن الرسول والقرآن ما قالوا يدعوهم إلى التوبة والإقلاع عما هم فيهم إلى الإسلام والهدى، كما قال: