25.39
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أن كلا من الماضين المهلكين من قوم نوح وعاد، وثمود، وأصحاب الرس، والقرون الكثيرة بين ذلك: أنه ضرب لكل منهم الأمثال ليبين لهم الحق بضرب المثل، لأنه يصير به المعقول كالمحسوس، وأنه جل وعلا تبر كلا منهم تتبيرا، أي أهلكهم جميعا إهلاكا مستأصلا، التتبير الإهلاك والتكسير ومنه قوله تعالى:
وليتبروا ما علوا تتبيرا
[الإسراء: 7] وقوله تعالى:
إن هؤلاء متبر ما هم فيه
[الأعراف: 139] أي باطل، وقوله تعالى:
ولا تزد الظالمين إلا تبارا
[نوح: 28] أي هلاكا، وهذان الأمران المذكوران في هذه الآية الكريمة، وهما أنه جل وعلا ضرب لكل منهم الأمثال، وأنه تبرهم كلهم تتبيرا جاءا مذكورين في غير هذا الموضع.
أما ضربه الأمثال للكفار، فقد ذكره جل وعلا في غير هذا الموضع كقوله في سورة إبراهيم:
أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال وسكنتم في مسكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال
[إبراهيم: 4445] وأما تتبيره جميع الأمم لتكذيبها رسلها، فقد جاء موضحا في آيات كثيرة كقوله تعالى في سورة الأعراف:
ومآ أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأسآء والضرآء لعلهم يضرعون ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضرآء والسرآء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون
[الأعراف: 9495] وقوله تعالى في سورة سبأ:
ومآ أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوهآ إنا بمآ أرسلتم به كافرون
[سبأ: 34] وقوله تعالى في الزخرف:
وكذلك مآ أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوهآ إنا وجدنآ آبآءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون
[الزخرف: 23] وقوله تعالى:
ثم أرسلنا رسلنا تترا كل ما جآء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث
[المؤمنون: 44] الآية، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن جميع الأمم كذبوا رسلهم، وأن الله أهلكهم بسبب ذلك، وقد بين جل وعلا في آية أخرى أن هذا العموم لم يخرج منه إلا قوم يونس دون غيرهم، وذلك في قوله تعالى:
فلولا كانت قرية آمنت فنفعهآ إيمانها إلا قوم يونس لمآ آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين
[يونس: 98].
ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى:
وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعناهم إلى حين
[الصافات: 147148] وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أنه ضرب الأمثال لكل منهم، لم يبين فيه هنا هل ضرب الأمثال أيضا لهذه الآية الكريمة التي هي آخر الأمم في هذا القرآن، كما ضربها لغيرهم من الأمم، ولكنه تعالى بين في آيات كثيرة أنه ضرب لهذه الأمة الأمثال في هذا القرآن العظيم، ليتفكروا بسببها، وبين أنها لا يعقلها إلا أهل العلم، وأن الله يهدي بها قوما، ويضل بها آخرين.
وهذه الآيات الدالة على ذلك كله فمنها قوله تعالى:
إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذآ أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين
[البقرة: 26]، وقوله تعالى:
ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون
[الزمر: 27] وقوله تعالى:
وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون
[الحشر: 21]، وقوله تعالى:
وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلهآ إلا العالمون
[العنكبوت: 43]، وقوله تعالى:
يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له
[الحج: 73]. والآيات الدالة على ذلك كثيرة معلومة والعلم عند الله تعالى.