[الكهف: 110]، وقوله تعالى:
قل إنمآ أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنمآ إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه
[فصلت: 6] الآية. وبين جل وعلا أن الرسل قالوا مثل ذلك في قوله:
قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشآء من عباده
[إبراهيم: 11] الآية، وقال تعالى:
قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السمآء ملكا رسولا
[الإسراء: 95]، وقوله تعالى: ﴿ ويمشي في الأسواق ﴾ جمع سوق وهي مؤنثة، وقد تذكر. والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿ لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها ﴾.
اعلم أولا أن لولا في هذه الآية الكريمة حرف تحضيض على التحقيق، والتحضيض. هو الطلب بحث، وشدة، وإليه أشار في الخلاصة بقوله:
وبهما التحضيض مزوهلا
ألا ألا وأولينها الفعلا
وبه تعلم أن المضارع في قوله: فيكون معه نذيرا منصوب بأن مستترة وجوبا، لأن الفاء في جواب الطلب المحض الذي هو التحضيض، كما أشار له في الخلاصة بقوله:
وبعد فاجواب نفي أو طلب
محضين أن وسترها حتم نصب
ونظير هذا من النصب بأن المستترة بعد الفاء التي هي جواب التحضيض، قوله تعالى:
فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين
[المنافقون: 10] لأن قوله: أخرتني طلب منه للتأخير بحث وشدة، كما دل عليه حرف التحضيض الذي هو لولا، نظيره من كلام العرب قول الشاعر:
لولا تعوجين يا سلمى على دنف
فتخمدي نار وجد كاد يفنيه
فقوله تعالى في الآية الكريمة: فأصدق بالنصب، وقول الشاعر: فتخمدي منصوب أيضا، بحذف النون، لأن الفاء في جواب الطلب المحض الذي هو التحضيض.
واعلم أن جزم الفعل المعطوف على الفعل المنصوب أعني قوله: ﴿ وأكن من الصالحين ﴾ إنما ساغ فيه الجزم، لأنه عطف على المحل لأن الفاء لو حذفت مع قصد جواب التحضيض لجزم الفعل، وجواز الجزم المذكور عند الحذف المذكور، هو الذي سوغ عطف المجزوم على المنصوب. وقد أشار إلى ذلك في الخلاصة بقوله:
وبعد غير النفي جزما اعتمد
إن تسقط الفا والجزاء قد قصد
وبما ذكرنا تعلم أن ما ذكره القرطبي وغيره، وأشار له الزمخشري من أن لولا في الآية للاستفهام، ليس بصحيح.
واعلم أن الكفار في هذه الآية الكريمة اقترحوا بحث وشدة عليه صلى الله عليه وسلم ثلاثة أمور:
الأول: أن ينزل إليه ملك، فيكون معه نذيرا أي يشهد له بالصدق، ويعينه على التبليغ.
الثاني: أن يلقى إليه كنز، أي ينزل عليه كنز من المال ينفق منه، ويستغني به عن المشي في الأسواق.
الثالث: أن تكون له جنة يأكل منها، والجنة في لغة العرب البستان ومنه قول زهير:
كأن عيني في غربي مقتلة
من النواضح تسقي جنة سحقا
فقوله: تسقي جنة أي بستانا، وقوله: سحقا يعني أن نخله طوال.
وهذه الأمور الثلاثة المذكورة في هذه الآية الكريمة التي اقترحها الكفار وطلبوها بشدة وحث، تعنتا منهم وعنادا، جاءت مبينة في غير هذا الموضع، فبين جل وعلا في سورة هود اقتراحهم، لنزول الكنز، ومجيء الملك معه، وأن ذلك العناد والتعنت قد يضيق به صدره صلى الله عليه وسلم وذلك في قوله تعالى:
فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضآئق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جآء معه ملك إنمآ أنت نذير
[هود: 12]، وبين جل وعلا في سورة بني إسرائيل اقتراحهم الجنة، وأوضح أنهم يعنون بها بستانا من نخيل وعنب، وذلك في قوله تعالى:
وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا
[الإسراء: 9091] واقتراحهم هذا شبيه بقول فرعون في موسى:
فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جآء معه الملائكة مقترنين
[الزخرف: 53] تشابهت قلوبهم فتشابهت أقوالهم.
وقد قدمنا في الكلام على آية سورة بني إسرائيل، هذه الآيات الدالة على كثرة اقتراح الكفار، وشدة تعنتهم وعنادهم، وأن الله لو فعل لهم كل ما اقترحوا لما آمنوا كما قال تعالى: