لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم
[المائدة: 7374] وقال تعالى:
إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق
[البروج: 10].
قال الحسن البصري: انظروا إلى هذا الكرم والجود قتلوا أولياءه، وهو يدعوهم إلى التوبة والرحمة. انتهى كلام ابن كثير رحمه الله تعالى. وما ذكره واضح.
والآيات الدالة على مثله كثيرة كقوله تعالى:
قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف
[الأنفال: 38] وقوله تعالى:
وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى
[طه: 82] الآية، إلى غير ذلك من الآيات.
25.7-9
قوله تعالى: ﴿ وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ﴾.
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار قالوا في نبينا صلى الله عليه وسلم ما لهذا الرسول، يعنون ما لهذا الذي يدعي أنه رسول، وذلك كقول فرعون في موسى:
قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون
[الشعراء: 27] أي ما له يأكل الطعام كما نأكله، فهو محتاج إلى الأكل كاحتياجنا إليه، ويمشي في الأسواق أي لا حتياجه إلى البيع والشراء، ليحصل بذلك قوته يعنون أنه لو كان رسولا من عند الله، لكان ملكا من الملائكة لا يحتاج إلى الطعام، ولا إلى المشي في الأسواق، وادعاء الكفار أن الذي يأكل كما يأكل الناس، ويحتاج إلى المشي في الأسواق، لقضاء حاجته منها، ولا يمكن أن يكون رسولا، وأن الله لا يرسل إلا ملكا، لا يحتاج للطعام، ولا للمشي في الأسواق، جاء موضحا في آيات كثيرة، وجاء في آيات أيضا تكذيب الكفار في دعواهم هذه الباطلة.
فمن الآيات الدالة على قولهم مثل ما ذكر عنهم في هذه الآية قوله تعالى:
وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقآء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون
[المؤمنون: 3334] وقوله تعالى:
وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا
[الإسراء: 94]، وقوله تعالى عنهم:
فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا
[المؤمنون: 47] الآية، وقوله تعالى:
فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه
[القمر: 24] الآية. وقوله:
فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله
[التغابن: 6] الآية. وقوله تعالى:
قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آبآؤنا
[إبراهيم: 10].
ومن الآيات التي كذبهم الله بها في دعواهم هذه الباطلة، وبين فيها أن الرسل يأكلون ويمشون في الأسواق ويتزوجون ويولد لهم، وأنهم من جملة البشر، إلا أنه فضلهم بوحيه ورسالته، وأنه لو أرسل للبشر ملكا لجعله رجلا، وأنه لو كانت في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين، لنزل عليهم ملكا رسولا، لأن المرسل من جنس المرسل إليهم، قوله تعالى في هذه السورة الكريمة:
ومآ أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق
[الفرقان: 20] وقوله تعالى:
ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا هم أزواجا وذرية
[الرعد: 38] وقوله تعالى:
ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى
[يوسف: 109]، أي ولم نجعلهم ملائكة، لأن كونهم رجالا وكونهم من أهل القرى، صريح في أنهم ليسوا ملائكة، وقوله تعالى:
ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون
[الأنعام: 9] وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول للكفار: إنه بشر، وإنه رسول.
وذلك لأن البشرية لا تنافي الرسالة في قوله تعالى:
قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا
[الإسراء: 93]، وقوله تعالى:
قل إنمآ أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنمآ إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقآء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا