وقال محمد: إن ذبح للأول، فكذلك، وإن لم يذبح فعليه دم واحد، وإن اختلفت أسباب الفدية، كمن تطيب، ولبس مخيطا أو تطيب، وغطى رأسه يوما كاملا مثلا، تعددت الفدية، أو الدم سواء كان ذلك في مجلس واحد، أو في مجلسين. وقد قدمنا أنه لا خلاف في تعدد جزاء الصيد بتعدد الصيد. وما روي عن أحمد مما يخالف ذلك، لم يصح لمخالفته صريح القرآن العظيم.
هذا هو حاصل مذهب أبي حنيفة، في المسألة.
وأما مذهب أحمد في هذه المسألة فهو: أنه إن فعل محظورات متعددة من جنس واحد، كما لو حلق مرة بعد مرة، أو لبس مرة بعد مرة، أو تطيب مرة بعد مرة: فعليه فدية واحدة، ولا تتعدد الفدية بتعدد الأسباب، التي هي من نوع واحد، سواء كانت في مجلس واحد، أو مجالس متفرقة، ومحل هذا ما لم يكفر عن الفعل الأول، قبل الفعل الثاني. فلو تطيب مثلا، ثم افتدى ثم تطيب بعد الفدية لزمته فدية أخرى، لتطيبه بعد أن افتدى.
وعن أحمد: أنه إن كرر ذلك لأسباب مختلفة، مثل أن لبس للبرد، ثم لبس للحر، ثم لبس للمرض فكفارات، وإن كان لسبب واحد فكفارة واحدة وقد روى عنه الأثرم فيمن لبس قميصا وجبة وعمامة وغير ذلك لعلة واحدة.
قلت له: فإن اعتل فلبس جبة، ثم برأ ثم اعتل فلبس جبة، قال: هذا الآن عليه كفارتان قاله في المغني، ثم قال: وعن الشافعي كقولنا، وعنه لا يتداخل. وقال مالك: تتداخل كفارة الوطء دون غيره، وقال أبو حنيفة: إن كرره في مجلس واحد فكفارة واحدة، وإن كان في مجالس فكفارات، لأن حكم المجلس الواحد حكم الفعل الواحد، بخلاف غيره، ولنا أنما يتداخل إذا كان بعضه عقب بعض، يجب أن يتداخل، وإن تفرق كالحدود وكفارة الأيمان، ولأن الله تعالى أوجب في حلق الرأس: فدية واحدة، ولم يفرق بين ما وقع في دفعة أو دفعات، والقول بأنه لا يتداخل غير صحيح، فإنه إذا حلق رأسه لا يمكن إلا شيئا بعد شيء.
انتهى من المغني.
وأما إن كانت المحظورات من أجناس مختلفة، كأن حلق، ولبس، وتطيب، ووطئ فعليه لكل واحد منها فدية، سواء فعل ذلك مجتمعا أو متفرقا. قال في المغني: وهذا مذهب الشافعي.
وعن أحمد: أن في الطيب واللبس والحلق فدية واحدة، وإن فعل ذلك واحدا بعد واحد، فعليه لكل واحد دم، وهو قول إسحاق.
وقال عطاء وعمرو بن دينار: إذا حلق ثم احتاج إلى الطيب أو إلى قلنسوة أو إليهما، ففعل ذلك، فليس عليه إلا فدية.
وقال الحسن: إن لبس القميص، وتعمم، وتطيب فعل ذلك جميعا: فليس عليه إلا كفارة واحدة، ونحو ذلك عن مالك.
ولنا أنها محظورات مختلفة الأجناس، فلم تتداخل أجزاؤها كالحدود المختلفة، والأيمان المختلفة، وعكسه ما إذا كان من جنس واحد. ا ه من المغني.
وهذا هو حاصل مذهب أحمد في المسألة.
وأما مذهب الشافعي في هذه المسألة: فهو أن المحظورات تنقسم عند الشافعية إلى استهلاك، كالحلق، والقلم، والصيد وإلى استمتاع، وترفه كالطيب، واللباس، ومقدمات الجماع فإذا فعل محظورين، فله ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يكون أحدهما: استهلاكا والآخر: استمتاعا، فينظر إن لم يستند إلى سبب واحد، كالحلق، ولبس القميص تعددت الفدية كالحدود المختلفة، وإن استند إلى سبب واحد، كمن أصابت رأسه شجة، واحتاج إلى حلق جوانبها، وسترها بضماد، وفيه طيب، ففي تعدد الفدية وجهان، والصحيح منهما تعددها.
الحال الثاني: أن يكون استهلاكا وهو على ثلاثة أضرب:
الأول: أن يكون مما يقابل بمثله، وهو الصيد. فتتعدد الفدية بتعدده، بلا خلاف عندهم، سواء فدى عن الأول، أم لا، وسواء اتحد الزمان والمكان، أو اختلفا كضمان المتلفات.
الضرب الثاني: أن يكون أحدهما مما يقابل بمثله، دون الآخر كالصيد والحلق فتتعدد بلا خلاف.
الضرب الثالث: أن لا يقابل واحد منهما بمثله، فينظر إن اختلف نوعهما كحلق وطيب أو لباس وحلق، تعددت الفدية، سواء فرق بينهما أو والى في مكان أو مكانين بفعلين أو بفعل واحد، وإن لبس ثوبا مطيبا فوجهان عندهم، الصحيح المنصوص منهما: أن عليه فدية واحدة، والثاني: عليه فديتان، وإن اتحد النوع، فإن كرر الحلق، وكان ذلك في وقت واحد: لزمته فدية واحدة، كمن يحلق رأسه شيئا بعد شيء في وقت واحد، ولو طال الزمان، وهو في أثناء الحلق، فهو كما لو حلف لا يأكل في اليوم إلا مرة واحدة، فوضع الطعام، وجعل يأكل لقمة لقمة من بكرة إلى العصر، فإنه لا يحنث عندهم.