22.5
قوله تعالى ﴿ يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشآء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا ﴾. هذه الآية الكريمة والآيات التي بعدها، تدل على أن جدال الكفار المذكور في قوله
ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير
لقمان 20 يدخل فيه جدالهم في إنكار البعث، زاعمين أنه جل وعلا لا يقدر أن يحيي العظام الرميم، سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا، كما قال تعالى
وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم
يس 78 وكقوله تعالى عنهم
وما نحن بمبعوثين
الأنعام 29
وما نحن بمنشرين
الدخان 35 ونحو ذلك من الآيات كما قدمنا الإشارة إليه قريبا. ولأجل ذلك أقام تعالى البراهين العظيمة على بعث الناس من قبورهم أحياء إلى عرصات القيامة للحساب، والجزاء فقال جل وعلا ﴿ يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ﴾ فمن أوجدكم الإيجاد الأول، وخلقكم من التراب لا شك أنه قادر على إيجادكم، وخلقكم مرة ثانية، بعد أن بليت عظامكم، واختلطت بالتراب، لأن الإعادة لا يمكن أن تكون أصعب من ابتداء الفعل، وهذا البرهان القاطع على القدرة على البعث الذي هو خلقه تعالى للخلائق المرة الأولى المذكورة هنا، جاء موضحا في آيات كثيرة كقوله
وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه
الروم 27 الآية وقوله
قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة وهو بكل خلق عليم
يس 79 وقوله تعالى
كما بدأنآ أول خلق نعيده وعدا علينآ إنا كنا فاعلين
الأنبياء 104 وقوله
فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة
الإسراء 51 وقوله تعالى
أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد
ق 15 وقوله تعالى
ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون
الواقعة 62 وقوله
ألم يك نطفة من مني يمنى
القيامة 37 إلى قوله
أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى
القيامة 40 والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا، وقد أوضحنا ذلك في مواضع متعددة من هذا الكتاب بين جل وعلا أن من أنكر البعث فهو ناس للإيجاد الأول كقوله
وضرب لنا مثلا ونسي خلقه
يس 78 الآية، إذ لو تذكر الإيجاد الأول، على الحقيقة، لما أمكنه إنكار الإيجاد الثاني، وكقوله
ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا أولا يذكر إلإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا
مريم 66-67 إذ لو تذكر ذلك تذكرا حقيقيا لما أنكر الخلق الثاني، وقوله في هذه الآية الكريمة ﴿ إن كنتم في ريب من البعث ﴾ أي في شك من أن الله يبعث الأموات، فالريب في القرآن يراد به الشك، وقوله تعالى في هذه الآية الكرمية ﴿ فإنا خلقناكم من تراب ﴾ قد قدمنا في سورة طه أن التحقيق في معنى خلقه للناس من تراب، أنه خلق أباهم آدم منها، ثم خلق منه زوجه، ثم خلقهم منهما عن طريق التناسل، كما قال تعالى
إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب
آل عمران 59 الآية، فلما كان أصلهم الأول من تراب، أطلق عليهم أنه خلقهم من تراب. لأن الفروع تبع للأصل. وقد بينا في طه أيضا أن قول من زعم أن معنى خلقه إياهم من تراب أنه خلقهم من النطف، والنطف من الأغذية، والأغذية راجعة إلى التراب غير صحيح، وقد بينا هناك الآيات الدالة على بطلان هذا القول. وقد ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أطوار خلق الإنسان، فبين أن ابتداء خلقه من تراب كما أوضحنا آنفا، فالتراب هو الطور الأول. والطور الثاني هو النطفة، والنطفة في اللغة الماء القليل، ومنه قول الشاعر وهو رجل من بني كلاب
وما عليك إذا أخبرتني دنفا وغاب بعلك يوما أن تعوديني وتجعلي نطفة في القعب باردة وتغمسي فاك فيها ثم تسقيني