تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكأين من قرية

[الحج: 48 و محمد: 13 والطلاق: 8] معناه. الإخبار بأن عددا كبيرا من القرى أهلكهم الله بظلمهم، وأن كثيرا من آبارهم بقيت معطلة بهلاك أهلها، وأن كثيرا من القصور المشيدة بقيت بعد هلاك أهلها بدونهم، لأن مميز كأين، وإن كان لفظه مفردا فمعناه يشمل عددا كثيرا كما هو معلوم في محله.

وقال أبو حيان في البحر المحيط وعن الإمام أبي القاسم الأنصاري قال: رأيت قبر صالح بالشام في بلدة يقال لها: عكا فكيف يكون بحضرموت، ومعلوم أن ديار قوم صالح التي أهلكوا فيها معروفة يمر بها الذاهب من المدينة إلى الشام، وقد قدمنا في سورة الحجر أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بها في طريقه إلى تبوك في غزوة تبوك. ومن المستبعد أن يقطع صالح، ومن آمن من قومه هذه المسافة البعيدة من أرض الحجر إلى حضرموت من غير داع يدعوه ويضطره إلى ذلك، كما ترى. والعلم عند الله تعالى.

22.46

قوله تعالى: ﴿ أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بهآ أو آذان يسمعون بها ﴾.

بين الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن كفار مكة الذين كذبوا نبينا صلوات الله وسلامه عليه، ينبغي لهم أن يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها، أو آذان يسمعون بها، لأنهم إذا سافروا مروا بأماكن قوم صالح، وأماكن قوم لوط، وأماكن قوم هود، فوجدوا بلادهم خالية وآثارهم منطمسة لم يبق منهم داع ولا مجيب، لتكذيبهم رسلهم، وكفرهم بربهم، فيدركون بعقولهم: أن تكذيبهم نبيهم لا يؤمن أن يسبب لهم من سخط الله مثل ما حل بأولئك الذين مروا بمساكنهم خالية، قد عم أهلها الهلاك، وتكون لهم آذان يسمعون بها ما قص الله في كتابه على نبيه من أخبار تلك الأمم، وما أصابها من الإهلاك المستأصل والتدمير، فيحذروا أن يحل بهم مثل ما حل بأولئك.

والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة كقوله تعالى:

أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم

[محمد: 10] ثم بين تهديده لكفار مكة بما فعل بالأمم الماضية في قوله:

وللكافرين أمثالها

[محمد: 10] وكقوله في قوم لوط:

وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون

[الصافت: 137-138] وكقوله فيهم:

وإنها لبسبيل مقيم

[الحجر: 76] الآية، وكقوله في قوم لوط وقوم شعيب:

أصحاب الأيكة لظالمين

[الحجر: 78]

وإنهما لبإمام مبين

[الحجر: 79] لأن معنى الآيتين: أن ديارهم على ظهر الطريق الذي يمرون فيه المعبر عنه بالسبيل والإمام، والآيات بمثل هذا كثيرة. وقد قدمنا منها جملا كافية في سورة المائدة وغيرها.

والآية تدل على أن محل العقل: في القلب، ومحل السمع، في الأذن، فما يزعمه الفلاسفة من أن محل العقل الدماغ باطل، كما أوضحناه في غير هذا الموضع، وكذلك قول من زعم أن العقل لا مركز له أصلا في الإنسان لأنه زماني فقط لا مكاني فهو في غاية السقوط والبطلان كما ترى.

قوله تعالى: ﴿ فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ﴾.

قد قدمنا الآيات الموضحة لمعنى هذه الآية في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى:

ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى

[الإسراء: 72] الآية. مع بعض الشواهد العربية، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٤١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٤١٦