تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

22.39

متعلق أذن محذوف في هذه الآية الكريمة: أي أذن لهم في القتال بدليل قوله: يقاتلون، وقد صرح جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أذن للذين يقاتلون وهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ودل قوله: يقاتلون: على أن المراد من يصلح للقتال منهم دون من لا يصلح له، كالأعمى والأعرج والمريض والضعيف والعاجز عن السفر للجهاد لفقره بدليل قوله تعالى:

ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض

[النور: 61 والفتح: 17] الآية. وقوله جل وعلا:

ليس على الضعفآء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل

[التوبة: 91] وقوله: ﴿ بأنهم ظلموا ﴾ الباء فيه سببية وهي من حروف التعليل، كما تقرر في مسلك النص الظاهر من مسالك العلة. وهذه الآية هي أول آية نزلت في الجهاد كما قال به جماعات من العلماء، وليس فيها من أحكام الجهاد إلا مجرد الإذن لهم فيه ولكن قد جاءت آيات أخر دالة على أحكام أخر زائدة على مطلق الإذن فهي مبينة عدم الاقتصار، على الإذن كما هو ظاهر هذه الآية. وقد قالت جماعة من أهل العلم: إن الله تبارك وتعالى لعظم حكمته في التشريع، إذ أراد أن يشرع أمرا شاقا على النفوس كان تشريعه على سبيل التدريج، لأن إلزامه بغتة في وقت واحد من غير تدريج فيه مشقة عظيمة، على الذين كلفوا به قالوا فمن ذلك الجهاد، فإنه أمر شاق على النفوس لما فيه من تعريضها لأسباب الموت، لأن القتال مع العدو الكافر القوي من أعظم أسباب الموت عادة، وإن كان الأجل محدودا عند الله تعالى كما قال تعالى:

وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا

[آل عمران: 145] وقد بين تعالى مشقة إيجاب الجهاد عليهم، بقوله:

ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب

[النساء: 77] ومع تعريض النفوس فيه لأعظم أسباب الموت، فإنه ينفق فيه الملل أيضا كما قال تعالى:

وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم

[الصف: 11] قالوا: ولما كان الجهاد فيه هذا من المشقة، وأراد الله تشريعه شرعه تدريجا، فأذن فيه أولا من غير إيجاب بقوله: ﴿ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ﴾ الآية. ثم لما استأنست به نفوسهم بسبب الإذن فيه، أوجب عليهم قتال من قاتلهم دون من لم يقاتلهم بقوله:

وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا

[البقرة: 190] الآية. وهذا تدريج من الإذن إلى نوع خاص من الإيجاب، ثم لما استأنست نفوسهم بإيجابه في الجملة أوجبه عليهم إيجابا عاما جازما في آيات من كتابه كقوله تعالى:

فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد

[التوبة: 5] وقوله تعالى:

وقاتلوا المشركين كآفة كما يقاتلونكم كآفة

[التوبة: 36] وقوله:

تقاتلونهم أو يسلمون

[الفتح: 16] إلى غير ذلك من الآيات.

واعلم: أن لبعض أهل العلم في بعض الآيات التي ذكرنا أقوالا غير ما ذكرنا. ولكن هذا التدريج الذي ذكرنا دل عليه استقراء القرآن في تشريع الأحكام الشاقة، ونظيره شرب الخمر فإن تركه شاق على من اعتاده، فلما أراد الله أن يحرم الخمر حرمها تدريجا. فذكر أولا بعض معائبها كقوله تعالى:

يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ إثم كبير ومنافع للناس وإثمهمآ أكبر من نفعهما

[البقرة: 219] ثم لما استأنست نفوسهم بأن في الخمر إثما أكثر مما فيها من النفع، حرمها عليهم في أوقات الصلاة بقوله تعالى:

يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى

[النساء: 43] الآية. فكانوا بعد نزولها، لا يشربونها إلا في وقت يزول فيه السكر قبل وقت الصلاة، وذلك بعد صلاة العشاء وبعد صلاة الصبح لأن ما بين العشاء والصبح يصحو فيه السكران قبل وقت الصلاة، وذلك بعد صلاة العشاء وبعد صلاة الصبح لأن ما بين العشاء والصبح يصحو فيه السكران عادة. وكذلك ما بين الصبح والظهر. وهذا تدريج من عيبها إلى تحريمها في بعض الأوقات. فلما استأنست نفوسهم بتحريمها حرمها عليهم تحريما عاما جازما بقوله:

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٤٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٤٠٩