وأما إن كان الحلق في أمكنة متعددة أو في مكان واحد في أوقات متفرقة ففيه عندهم طريقان.
أصحهما: تتعدد الفدية فتفرد كل مرة بحكمها، فإن كان حلق في كل مرة ثلاث شعرات فصاعدا، وجب لكل مرة فدية وإن كانت شعرة أو شعرتين، ففيها الأقوال السابقة الأربعة: وهي أنه قيل في الشعرة الواحدة مد. وقيل: درهم. وقيل: ثلث دم. وقيل: دم كامل وحكم الشعرتين معروف من هذا كما تقدم إيضاحه.
الطريق الثاني: أن في المسألة قولين: بالتعدد، وعدمه، وعدم التعدد: هو القديم، والتعدد: هو الجديد. وإن حلق عندهم ثلاث شعرات في ثلاثة أمكنة أو ثلاثة أزمنة متفرقة ففي ذلك عندهم طريقان، أصحهما، أنه يفرد كل شعرة بحكمها، وفيها الأقوال الأربعة الماضية.
والطريق الثاني: هو تفريع ذلك على القول، بالتداخل وعدمه. فإن قلنا بالتداخل: لزمته فدية كاملة، لأنه كأنه قطع الشعرات الثلاث في وقت واحد، وإن قلنا: بعدمه، وهو الصحيح عندهم، فلكل شعرة حكمها كما تقدم في الطريق الصحيح عندهم. ولو أخذ ثلاث شعرات في وقت واحد من ثلاثة مواضع من بدنه. ففيه عندهم طريقان:
أصحهما: لزوم الفدية، كما لو أخذها من موضع واحد.
والطريق الثاني: فيه وجهان أحدهما: هذا الذي ذكرناه آنفا.
والثاني: أنه كما لو أزالها في أزمنة متفرقة، أو أمكنة متفرقة، فيجري على الخلاف في ذلك أو قد قدمنا أن حكم الأظفار عندهم كحكم الشعر.
الحال الثالث: أن يكون استمتاعا، فإن اتحد النوع بأن تطيب بأنواع من الطيب أو لبس أنواعا من الثياب كعمامة وقميص وسراويل، وخف أو استعمل نوعا واحدا مرات، فإن فعل ذلك متواليا من غير أن يتخلله تكفير عن الأول ففدية واحدة تكفي للجميع، وإن تخلله تكفير وجبت الفدية للثاني أيضا، وإن فعل ذلك في مكانين، أو زمانين متفرقين فإن تخللهما تكفير: وجبت الفدية للثاني، وإن لم يتخللهما تكفير فقولان الأصح عندهم منهما، وهو الجديد: تعدد الفدية، والقديم: تتداخل، ولا تتعدد وإن اختلف النوع، بأن لبس وتطيب في مجلس واحد، قبل أن يكفر عن الأول منهما أو فعلهما معا، ففيه ثلاثة أوجه مشهورة عندهم.
أصحها: تعدد الفدية لاختلاف نوع السبب.
الثاني: تجب فدية واحدة، لأنهما استمتاع، فيتداخلان، لاتحاد الجنس.
الثالث: التفصيل، فإن اتحد سببهما بأن أصابته شجة، واحتاج في مداواتها إلى طيب وسترها. لزمته فدية واحدة، وإن لم يتحد السبب: ففديتان، وهذا كله في غير الجماع، وقد قدمنا حكم تعدد الجماع، وفيه للشافعية خمسة أقوال:
أصحها: تجب بالجماع الأول: بدنة، وبالثاني: شاة.
والثاني: تجب بكل جماع بدنة.
الثالث: تكفي بدنة واحدة عن الجميع.
الرابع: إن كفر عن الأول، قبل الجماع الثاني وجبت الكفارة للثاني: وهي شاة في الأصح، وبدنة في القول الآخر، وإن لم يكن كفر عن الأول كفته بدنة عنهما.
والخامس: إن طال الزمان بين الجماعين أو اختلف المجلس: وجبت كفارة أخرى للثاني، وفيها القولان.
وإلا فكفارة واحدة، وإن وطئ مرة ثالثة ورابعة، أو أكثر ففيه الأقوال المذكورة، الأظهر: تجب للأول بدنة، ولكل جماع بعد ذلك شاة.
والثاني: تجب بكل جماع بدنة إلى آخر الأقوال المذكورة آنفا. هذا هو حاصل مذهب الشافعي في المسألة.
ولنكتف هنا بما ذكرنا من أحكام الحج في الكلام على آية الحج هذه خوف الإطالة المملة.
تنبيهان
الأول: اعلم أن مسألة الإحصار والفوات قد قدمنا الكلام عليها مستوفى في سورة البقرة، ومسألة الصيد وجزائه في الإحرام، أو أحد الحرمين، وأشجار الحرمين، ونباتهما ونحو ذلك وصيد وج قد قدمنا الكلام عليها مستوفى في سورة المائدة، وأحكام الهدي سيأتي تفصيلها إن شاء الله في الآيات الدالة عليها من سورة الحج هذه.
التنبيه الثاني: اعلم أن جميع ما ذكرنا في هذا الفصل من تعدد الفدية، وعدم تعددها، إذا تعددت أسبابها لا نص فيه من كتاب، ولا سنة فيما نعلم، واختلاف أهل العلم فيه كما ذكرنا من نوع الاختلاف في تحقيق المناط. والعلم عند الله تعالى.