والعاشرة: إذا حلف بالله مرات متعددة، وقصد بكل يمين التأسيس لا التأكيد، هل تتعدد الكفارة بتعدد الأيمان، أو تكفي كفارة واحدة، هذا هو حاصل مراده بالأبيات.
ولا شك أن المسائل المتفق على تعددها والمختلف فيها أكثر مما ذكر بكثير، فمن المسائل المتفق على التعدد فيها، ولم يذكرها من صاد ظبيين مثلا، وهو محرم فإنه يتكرر عليه الجزاء إجماعا. وما روي عن أحمد من أنه يكفي جزاء واحد، لا يصح، كما قاله صاحب المغني، لأنه مخالف لصريح قوله تعالى
فجزآء مثل ما قتل من النعم
[المائدة: 95] لأن الواحد لا يكون مثلا للاثنين.
والحاصل: أن هذه المسألة، إنما تعرف فروعها بالتتبع، فقد يكفي موجب واحد مع تعدد الأسباب إجماعا، كتعدد نواقض الوضوء، وأسباب الجنابة، وتعدد سبب الحد كالزنى، وقد يتعدد إجماعا كالمسائل المذكورة آنفا، وقد يختلف في تعدده، وعدم تعدده وهذا هو الغالب في فروع هذه المسألة، خلافا لما قاله الشيخ ميارة في التكميل.
فإذا علمت هذه المسألة في الجملة وعلمت أنها عند الأصوليين من المسائل المبنية على مسألة الأمر هل يقتضي التكرار أو لا يقتضيه؟ فهذه أقوال أهل العلم، وأدلتهم في المسألة التي نحن بصددها، وهي ما تعدد فيه الفدية ونحوها، بتعدد أسبابها، وما لا تتعدد فيه.
واعلم أولا: أن تعدد اللازم في الجماع بتعدد الجماع، وعدم تعدده قد قدمنا أقوال أهل العلم فيه، واستوفينا الكلام عليه.
أما مذهب مالك رحمه الله في هذه المسألة ففيه تفصيل. حاصله: أن الجماع لا يتعدد الهدي اللازم فيه بتعدده، سواء جامع بعد إخراج الهدي عن الجماع الأول أو قبله. وأما غير الجماع من محظورات الإحرام كلبس المخيط والتطيب، وحلق الرأس، وقلم الأظافر، ونحو ذلك، فتارة تكفي عنده في ذلك فدية واحدة، عن الجميع، وتارة تتعدد بتعدد أسبابها.
أما موجبات عدم تعدد الفدية فهي في مذهب مالك ثلاثة.
الأولى: أن يكون فعل أسباب الفدية في وقت واحد أو بعضها بالقرب من بعض، فإن لبس وتطيب وحلق في وقت واحد، فعليه فدية واحدة، وكذلك إن فعل بعضها قريبا من بعض، والقول الذي خرجه اللخمي بالتعدد في ذلك ضعيف، لا يعول عليه.
الثانية: أن ينوي فعل جميعها، بأن ينوي اللبس والتطيب والحلق فتلزمه فدية واحدة، ولو كان بعضها بعد بعض غير قريب منه.
الثالثة: أن يكون فعل محظورات الإحرام أنها مباحة، كالذي يطوف على غير وضوء في عمرته، ثم يسعى، ويحل ويفعل محظورات متعددة، وكالذي يرفض إحرامه ظانا أن الإحرام يصح رفضه، فيفعل بعد رفضه محظورات متعددة، وكمن أفسد إحرامه بالوطء، ثم فعل موجبات الفدية ظانا أن الإحرام تسقط حرمته بالفساد، وجعل بعض المالكية من صور ظن الإباحة من ظن أن الإحرام لا يمنعه من محرماته أو لا يمنعه من بعضها. وأما ما يوجب تعدد الفدية عند المالكية، فهو أن يفعل محظورات الإحرام مترتبة بعضها بعد بعض، غير قريب منه، فإنه تلزمه بكل محظور فدية، ولو كثر ذلك سواء كانت المحظورات من نوع واحد، كمن كرر التطيب، أو كرر اللبس، أو كرر الحلق في أوقات غير متقاربة، والظاهر أن القرب بحسب العرف، أو من أنواع كمن لبس مخيطا، ثم تطيب، ثم حلق، فإن الفدية تتعدد في جميع ذلك، إن لم يكن بعضه قريبا من بعض، أو في وقت واحد، فإن احتاج إلى لبس قميص، ثم احتاج بعد ذلك إلى لبس سراويل، ففدية واحدة عندهم، لأن محل السراويل كان يستره القميص قبل لبس السراويل. أما إن احتاج إلى السراويل أولا، ثم احتاج بعد ذلك إلى القميص، ففديتان، لأن القميص يستر من أعلى بدنه شيئا ما كان يستره السراويل.
هذا هو حاصل مذهب مالك في تعدد الفدية وعدمه في تعدد محظورات الإحرام.
وأما مذهب أبي حنيفة: فهو أنه إن تكرر منه موجب الفدية من نوع واحد في مجلس واحد، فعليه كفارة واحدة، وهي فدية الأذى إن كان ذلك لعذر، ودم إن كان لغير عذر، وإن فعل ذلك في مجالس متعددة تعددت الكفارة. وقال محمد: لا تتعدد إلا إذا كفر عن الأول قبل فعل الثاني، فلو لبس قميصا وقباء وسراويل وخفين يوما كاملا لزمه دم واحد أو فدية واحدة، لأنها من جنس واحد فصارت كجناية واحدة، وكذلك لو دام على لبس ذلك أياما، وكذا لو كان ينزعه بالليل، ويلبسه بالنهار، لا يجب عليه إلا دم واحد، إلا إذا نزعه على عزم الترك، ثم لبسه بعد ذلك، فإنه يجب عليه دم آخر، لأن اللبس الأول انفصل عن الثاني بالعزم على الترك، وكذا لو لبس قميصا للضرورة ولبس خفين من غير ضرورة فعليه دم وفدية، لأن السبب اختلف فلا يمكن التداخل، وكذلك لو طيب جميع أعضائه، فإن كان في مجلس واحد فعليه دم واحد، إن كان لغير عذر، وفدية واحدة، إن كان ذلك لعذر، وإن كان تطييب أعضائه في مجالس تعددت الفدية أو الدم بتعدد الأعضاء التي طيبها في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، سواء ذبح للأول أو لم يذبح.