22.27
الأذان في اللغة: الإعلام: ومنه قوله تعالى
وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر
[التوبة: 3] وقول الحرث بن حلزة:
آذنتنا ببينها أسماء
رب ثاو يمل منه الثواء
والحج في اللغة: القصد، وكثرة الاختلاف، والتردد: تقول العرب: حج بنو فلان فلانا: إذا قصدوه، وأطالوا الاختلاف إليه، والتردد عليه. ومنه قول المخبل السعدي:
ألم تعلمي يا أم أسعد أنما
تخاطأني ريب المنون لأكبرا
وأشهد من عوف حلولا كثيرة
يحجون سب الزبرقان المزعفرا
قوله: يحجون يعني: يكثرون قصده، والاختلاف إليه، والتردد عليه. والسب بالكسر: العمامة. وعنى بكونهم يحجون عمامته: أنهم يحجونه، فكنى عنه بالعمامة. والرجال في الآية: جمع راجل، وهو الماشي على رجليه، والضامر: البعير ونحوه. المهزول: الذي أتعبه السفر. وقوله " يأتين " يعني: الضوامر المعبر عنها بلفظ كل ضامر، لأنه في معنى: وعلى ضوامر يأتين من كل فج عميق، لأن لفظة " كل " صيغة عموم، يشمل ضوامر كثيرة: والفج: الطريق، وجمعه: فجاج: ومنه قوله تعالى
وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون
[الأنبياء: 31] والعميق: البعيد، ومنه قول الشاعر:
إذا الخيل جاءت من فجاج عميقة
يمد بها في السير أشعث شاحب
وأكثر ما يستعمل العمق في البعد سفلا، تقول: بئر عميقة: أي بعيدة القعر: والخطاب في قوله ﴿ وأذن في الناس بالحج ﴾ لإبراهيم كما هو ظاهر من السياق. وهو قول الجمهور، خلافا لمن زعم أن الخطاب لنبينا صلى الله عليه وسلم، وعلى إبراهيم وسلم، وممن قال بذلك: الحسن، ومال إليه القرطبي، فقوله تعالى ﴿ وأذن في الناس بالحج ﴾ أي وأمرنا إبراهيم أن أذن في الناس بالحج: أي أعلمهم، وناد فيهم بالحج: أي بأن الله أوجب عليهم حج بيته الحرام.
وذكر المفسرون أنه لما أمره ربه، أن يؤذن في الناس بالحج قال: يا رب، كيف أبلغ الناس، وصوتي لا ينفذهم، فقال: ناد وعلينا البلاغ، فقام على مقامه. وقيل: على الحجر. وقيل: على الصفا. وقيل: على أبي قبيس، وقال: يا أيها الناس، إن ربكم قد اتخذ بيتا فحجوه، فيقال: إن الجبال تواضعت، حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأسمع من في الأرحام والأصلاب، وأجابه كل شيء سمعه من حجر ومدر وشجر، ومن كتب الله أنه يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك.
قال ابن كثير رحمه الله بعد أن ذكر هذا الكلام: هذا مضمون ما ورد عن ابن عباس ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وغير واحد من السلف والله أعلم، وأوردها ابن جرير وابن أبي حاتم مطولة. انتهى منه.
وقوله تعالى: ﴿ يأتوك رجالا ﴾ مجزوم في جواب الطلب، وهو عند علماء العربية مجزوم بشرط مقدر، دل عليه الطلب على الأصح: أي إن تؤذن في الناس بالحج يأتوك.
وإنما قال " يأتوك " لأن المدعو يتوجه نحو الداعي، وإن كان إتيانهم في الحقيقة للحج، لأن نداء إبراهيم للحج: أي يأتوك ملبين دعوتك، حاجين بيت الله الحرام، كما ناديتهم لذلك، وعلى قول الحسن الذي ذكر عنه: أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم.
ففي هذه الآية دليل على وجوب الحج، وعلى قول الجمهور، فوجوب الحج بها على هذه الأمة، مبني على أن شرع من قبلنا شرع لنا، كما أوضحناه في سورة المائدة، مع أنه دلت آيات أخر، على أن الإيجاب المذكور على لسان إبراهيم وقع مثله أيضا على لسان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، كقوله تعالى:
ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين
[آل عمران: 97] وقوله تعالى:
وأتموا الحج والعمرة لله
[البقرة: 196] وقوله تعالى:
إن الصفا والمروة من شعآئر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم
[البقرة: 158].
وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية. وقوله: ﴿ يأتوك رجالا وعلى كل ضامر ﴾ الآية. قد يستدل بهذه الآية من ذهب من العلماء. إلى أن الحج ماشيا لمن قدر عليه أفضل من الحج راكبا، لأنه قدمهم في الذكر، فدل على الاهتمام بهم وقوة هممهم: وقال وكيع، عن أبي العميس، عن أبي حلحلة، عن محمد بن كعب، عن ابن عباس قال: ما آسى على شيء إلا أني وددت أن يكنت حججت ماشيا، لأن الله يقول ﴿ يأتوك رجالا ﴾.