تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" إنه كان حريصا على قتل صاحبه "

أن ذنبه الذي أدخله النار، هو عزمه المصمم وحرصه على قتل صاحبه المسلم. وقد قدمنا مرارا أن إن المكسورة المشددة تدل على التعليل كما تقرر في مسلك الإيماء والتنبيه. ومثال المعاقبة على العزم المصمم على ارتكاب المحظور فيه، ما وقع بأصحاب الفيل من الإهلاك المستأصل، بسبب طير أبابيل

ترميهم بحجارة من سجيل

الفيل 4 لعزمهم على ارتكاب المناكر في الحرم، فأهلكهم الله بذلك العزم قبل أن يفعلوا ما عزموا عليه، والعلم عند الله تعالى. والظاهر أن الضمير في قوله ﴿ فيه ﴾ راجع إلى المسجد الحرام، ولكن حكم الحرم كله في تغليظ الذنب المذكور كذلك. والله تعالى أعلم.

22.26

أي اذكر حين بوأنا، تقول العرب بوأت له منزلا، وبوأته منزلا، وبوأته في منزل بمعنى واحد كلها بمعنى هيأته له، ومكنت له فيه، وأنزلته فيه، فتبوأه أي نزله، وتبوأت له منزلا أيضا هيأته له، وأنزلته فيه فبوأه المتعدي بنفسه، كقوله تعالى

والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا

العنكبوت 58 الآية وقوله

والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة

النحل 41 الآية ومنه قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي

كم من أخ لي ماجد بوأته بيدي لحدا

أي هيأته له، وأنزلته فيه، وبوأت له كقوله هنا ﴿ وإذ بوأنا لإبراهيم ﴾ الآية، وبوأته فيه كقول الشاعر

وبوئت في صميم معشرها وتم في قومها مبوؤها

أي نزلت من الكرم في صميم النسب، وتبوأت له منزلا كقوله تعالى

وأوحينآ إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا

يونس 87 وتبوأه كقوله

وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشآء

الزمر 74 الآية. وقوله تعالى

وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشآء

يوسف 56 وقوله تعالى

والذين تبوءوا الدار والإيمان

الحشر 9 الآية. وأصل التبوء. من المباءة وهي منزل القوم في كل موضع، فقوله ﴿ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ﴾ أي هيأناه له، وعرفناه إياه، ليبنيه بأمرنا على قواعده الأصلية المندرسة، حين أمرنا ببنائه، كما يهيأ المكان لمن يريد النزول فيه. والمفسرون يقولون بوأه له، وأراه إياه بسبب ريح تسمى الخجوج كنست ما فوق الأساس، حتى ظهر الأساس الأول الذي كان مندرسا، فبناه إبراهيم وإسماعيل عليه. وقيل أرسل له مزنة فاستقرت فوقه، فكان ظلها على قدر مساحة البيت، فحفرا عن الأساس، فظهر لهما فبنياه عليه. وهم يقولون أيضا إنه كان مندرسا من زمن طوفان نوح، وأن محله كان مربض غنم لرجل من جرهم، والله تعالى أعلم. وغاية ما دل عليه القرآن أن الله بوأ مكانه لإبراهيم، فهيأه له، وعرفه إياه ليبنيه في محله، وذهبت جماعة من أهل العلم إلى أن أول من بناه إبراهيم ولم يبن قبله. وظاهر قوله حين ترك إسماعيل، وهاجر في مكة

ربنآ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم

إبراهيم 37 يدل على أنه كان مبنيا، واندرس، كما يدل عليه قوله هنا ﴿ مكان البيت ﴾ لأنه يدل على أن له مكانا سابقا، كان معروفا. والله أعلم. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿ أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطآئفين ﴾ الآية متعلق بمحذوف، وقد دلت على تقدير المحذوف المذكور آية البقرة وهي قوله تعالى

وعهدنآ إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين

البقرة 125 الآية فدلت آية البقرة المذكورة على أن معنى آية الحج هذه ﴿ وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ﴾ وعهدنا إليه أي أوصيناه، أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين، وزادت آية البقرة أن إسماعيل مأمور بذلك أيضا مع أبيه إبراهيم، وإذا عرفت أن المعنى وعهدنا إلى إبراهيم ألا تشرك بي شيئا، وطهر بيتي.

الآية. فاعلم أن في " أن " وجهين أحدهما أنها هي المفسرة، وعليه فتطهير البيت من الشرك، وغيره هو تفسير العهد إلى إبراهيم أي والعهد هو إيصاؤه بالتطهير المذكور. والثاني أنها مصدرية بناء على دخول " أن " المصدرية على الأفعال الطلبية. فإن قيل كيف تكون مفسرة للعهد إلى إبراهيم، وهو غير مذكور هنا؟ فالجواب أنه مذكور في سورة البقرة في المسألة بعينها، والقرآن يفسر بعضه بعضا، فالمذكور هناك كأنه مذكور هنا، لأن كلام الله يصدق بعضه بعضا، والتطهير هنا في قوله ﴿ وطهر بيتي ﴾ يشمل التطهير المعنوي، والحسي، فيطهره الطهارة الحسية من الأقذار، والمعنوية من الشرك والمعاصي، ولذا قال ﴿ أن لا تشرك بي شيئا ﴾ وكانت قبيلة جرهم تضع عنده الأصنام تعبدها من دون الله، وقد قدمنا في سورة الإسراء الكلام مستوفى فيما كان عند الكعبة من الأصنام عام الفتح، وطهرها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنجاس الأوثان وأقذارها. كما أمر الله بذلك إبراهيم هنا وقال لنبينا صلى الله عليه وسلم

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١١٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١١٣٩