22.47
قوله تعالى: ﴿ ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده ﴾.
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الكفار يطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم تعجيل العذاب الذي يعدهم به طغيانا وعنادا.
والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة في القرآن كقوله تعالى:
وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب
[ص: 16] وقوله:
يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين
[العنكبوت: 54] وقوله:
ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجآءهم العذاب
[العنكبوت: 53] الآية.
وقد أوضحنا الآيات الدالة على هذا المعنى في مواضع متعددة، من هذا الكتاب المبارك في سورة الأنعام في الكلام على قوله:
ما عندي ما تستعجلون به
[الأنعام: 57] وفي يونس في الكلام على قوله:
أثم إذا ما وقع آمنتم به
[يونس: 51] إلى غير ذلك من المواضع.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ ولن يخلف الله وعده ﴾ [الحج: 47] الظاهر أن المراد بالوعد هنا: هو ما أوعدهم به من العذاب الذي يستعجلون نزوله.
والمعنى: هو منجز ما وعدهم به من العذاب، إذا جاء الوقت المحدد لذلك كما قال تعالى:
ولولا أجل مسمى لجآءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون
[العنكبوت: 53] وقوله تعالى:
ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون
[هود: 8] وقوله تعالى:
أثم إذا ما وقع آمنتم به الآن وقد كنتم به تستعجلون
[يونس: 51] وبه تعلم أن الوعد يطلق في القرآن على الوعد بالشر.
ومن الآيات الموضحة لذلك قوله تعالى:
قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير
[الحج: 72] فإنه قال في هذه الآية في النار: وعدها الله بصيغة الثلاثي الذي مصدره الوعد، ولم يقل أوعدها وما ذكر في هذه الآية، من أن ما وعد به الكفار من العذاب واقع لا محالة، وأنه لا يخلف وعده بذلك، جاء مبينا في غير هذا الموضع كقوله تعالى في سورة ق
قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد ما يبدل القول لدي
[ق: 28-29] الآية والصحيح أن المراد بقوله: ﴿ ما يبدل القول لدي ﴾ أن ما أوعد الكفار به من العذاب، لا يبدل لديه، بل هو واقع لا محالة، وقوله تعالى:
كل كذب الرسل فحق وعيد
[ق: 14] أي وجب وثبت فلا يمكن عدم وقوعه بحال وقوله تعالى:
إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب
[ص: 14] كما أوضحناه في كتابنا: دفع إيهام الاضطراب، عن آيات الكتاب في سورة الأنعام، في الكلام على قوله تعالى:
قال النار مثواكم خالدين فيهآ إلا ما شآء الله
[الأنعام: 128] الآية. وأوضحنا أنما أوعد به الكفار لا يخلف بحال، كما دلت عليه الآيات المذكورة. أما ما أوعد به عصاة المسلمين، فهو الذي يجوز ألا ينفذه وأن يعفو كما قال تعالى:
إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء
[النساء: 48] الآية.
وبالتحقيق الذي ذكرنا: تعلم أن الوعد يطلق في الخير والشر كما بينا، وإنما شاع على ألسنة كثير من أهل التفسير، من أن الوعد لا يستعمل إلا في الوعد بخير وأنه هو الذي لا يخلفه الله، وأما إن كان المتوعد به شرا، فإنه وعيد وإيعاد. قالوا: إن العرب تعد الرجوع عن الوعد لؤما، وعن الإيعاد كرما، وذكروا عن الأصمعي أنه قال: كنت عند أبي عمرو بن العلاء، فجاءه عمرو بن عبيد فقال: يا أبا عمرو، هل يخلف الله الميعاد؟ فقال: لا، فذكر آية وعيد، فقال له: أمن العجم أنت؟ إن العرب تعد الرجوع عن الوعد لؤما وعن الإيعاد كرما، أما سمعت قول الشاعر:
ولا يرهب ابن العم والجار سطوتي
ولا انثنى عن سطوة المتهدد
فإني وإن أوعدته أو وعدته
لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
فيه نظر من وجهين:
الأول: هو ما بيناه آنفا من إطلاق الوعد في القرآن على التوعد بالنار، والعذاب كقوله تعالى:
النار وعدها الله الذين كفروا
[الحج: 72] وقوله تعالى: ﴿ ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده ﴾ لأن ظاهر الآية الذي لا يجوز العدول عنه، ولن يخلف الله وعده في حلول العذاب الذي يستعجلونك به بهم، لأنه مقترن بقوله: ﴿ ويستعجلونك بالعذاب ﴾ فتعلقه به هو الظاهر.