تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد قدمنا أن مذهب مالك: أنه إن قتل قملة أو قملات أطعم ملء يد واحدة من الطعام كفارة لذلك، وإن قتل كثيرا منه لزمته الفدية، وعن الشافعي أن من قتل قملة: أطعم شيئا قال: وأي شيء فداها به فهو خير منها.

وعند الشافعي: أنه إن ظهر القمل على بدنه أو ثيابه، لم يكره له أن ينحيه، لأنه ألجأه.

وذهب بعض أهل العلم إلى أن قتل القمل لا فدية فيه، وهو مذهب أحمد وأصحابه مع أن عنه روايتين:

أحداهما: إباحة قتله، لأنه يؤذي، والأخرى منع قتله، لأن فيه ترفها.

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر أقوال أهل العلم عندي في ذلك: أن القمل لا يجوز قتله، وأخذه من الرأس، بدليل قصة كعب بن عجرة المتقدمة، فإنه لو كان كان قتله يجوز لما صبر على أذاه، ولتسبب في التفلي، لإزالته من رأسه، كما هو العادة المعروفة فيمن آذاه القمل، وهو غير محرم إن لم يرد الحلق، وأنه لا شيء على من قتله. والدليل على ذلك أمران.

أحدهما: أن الأصل عدم الوجوب إلا لدليل، ولا دليل على لزوم شيء في قتل القمل، مع أنه يؤذي أشد الإيذاء.

الأمر الثاني: أن ظاهر حديث كعب بن عجرة المتفق عليه، وظاهر القرآن العظيم كلاهما: يدل على أن الفدية إنما لزمت بسبب حلق الرأس، مع كثرة ما فيه من القمل، فلو كانت الفدية تلزم من قتل القمل، وإزالته لبينه صلى الله عليه وسلم فقوله تعالى

ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك

[البقرة: 196] ظاهره أن الأذى الذي برأسه من القمل ونحوه: كالمرض في إباحة الحلق، وأن الفدية لزمت بسبب الحلق لا بسبب المرض، ولا بسبب إزالة القمل، وكذلك ظاهر حديث كعب، حيث أمره بالحلق والفدية، فهو يدل على أن الفدية من أجل الحلق لا غيره.

ومما يؤيد ذلك: أن القمل لا قيمة له فهو كالبراغيث والبعوض، وليس القمل بمأكول، وليس بصيد.

قال صاحب المغني: وحكي عن ابن عمر قال: هي أهون مقتول، وسئل ابن عباس، عن محرم ألقى قملة، ثم طلبها فلم يجدها؟ قال: تلك ضالة لا تبتغى. قال: وهذا قول طاوس، وسعيد بن جبير، وعطاء، وأبي ثور، وابن المنذر، وعن أحمد فيمن قتل قملة قال: يطعم شيئا فعلى هذا أي شيء تصدق به أجزأه، سواء قتل كثيرا أو قليلا، وهذا قول أصحاب الرأي وقال إسحاق: تمرة فما فوقها. وقال مالك: حفنة من طعام. وروي ذلك عن ابن عمر، وقال عطاء: قبضة من طعام.

وهذه الأقوال كلها راجعة إلى ما قلناه، فإنهم لم يريدوا بذلك التقدير، وإنما هو على التقريب لأقل ما يتصدق به. انتهى من المغني. ولا يخفى أنها أقوال لا دليل على شيء منها.

وحجة القائلين بها في الجملة: أن قتل القمل فيه ترفه للمحرم، والعلم عند الله تعالى.

وأما الحجامة: إن دعت إليها ضرورة، فلا خلاف في جوازها للمحرم، وإنما اختلف أهل العلم في الفدية، إن احتجم. أما جوازها لضرورة فهو ثابت، عن النبي صلى الله عليه وسلم ثبوتا لا مطعن فيه.

قال البخاري في صحيحه: باب الحجامة للمحرم: وكوى ابن عمر ابنه، وهو محرم، ويتداوى ما لم يكن فيه طيب.

حدثنا علي بن عبدالله، حدثنا سفيان، قال: قال عمرو: أول شيء سمعت عطاء يقول: سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول:

" احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو محرم "

، ثم سمعته يقول: حدثني طاوس، عن ابن عباس فقلت: لعله سمعه منهما.

حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا سليمان بن بلال، عن علقمة بن أبي علقمة، عن عبدالرحمن الأعرج، عن ابن بحينة رضي الله عنه قال

" احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وهو محرم بلحيى جمل في وسط رأسه "

انتهى من صحيح البخاري.

وقال البخاري في كتاب: الطب: باب الحجم في السفر والإحرام: قاله ابن بحينة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

حدثنا مسدد، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن طاوس، وعطاء، عن ابن عباس قال

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٣١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٣١٠