تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال ابن حجر في الكلام على هذا الحديث: وكأنه خص الرأس بالسؤال لأنه موضع الإشكال في هذه المسألة، لأنه محل الشعر الذي يخشى انتتافه بخلاف سائر البدن غالبا، وحديث أبي أيوب المذكور أخرجه أيضا مسلم في صحيحه كلفظ البخاري، وزاد مسلم فقال المسور لابن عباس: لا أماريك أبدا. وقال النووي في شرحه لحديث أبي أيوب: هذا عند مسلم، وفي هذا الحديث فوائد.

منها: جواز اغتسال المحرم، وغسله رأسه، وإمرار اليد على شعره بحيث لا ينتف شعرا إلى آخره، وهذا حديث متفق عليه فيه التصريح: بجواز غسل الرأس في الإحرام، وكذلك غسل البدن، وقال النووي في شرح المهذب: قال الماوردي: أما اغتسال المحرم بالماء والانغماس فيه، فجائز لا يعرف بين العلماء، خلاف فيه، لحديث أبي أيوب السابق: أما دخول الحمام وإزالة الوسخ عن نفسه فجائز أيضا، عندنا وبه، قال الجمهور وقال مالك: تجب الفدية بإزالة الوسخ، وقال أبو حنيفة: إن غسل رأسه بخطمى: لزمته الفدية دليلنا حديث ابن عباس في المحرم الذي خر عن بعير. وقال ابن المنذر: وكره جابر بن عبدالله ومالك: غسل المحرم رأسه بالخطمى قال مالك: وعليه الفدية وبه قال أبو حنيفة وقال أبو يوسف، ومحمد: عليه صدقة. قال ابن المنذر: هو مباح لحديث ابن عباس. انتهى محل الغرض منه.

وقد قدمنا جواز غسل الرأس بالماء وحده، عن المالكية، وكراهة غمس الرأس في الماء ما لم يتيقن أنه لا يقتل بذلك بعض دواب الرأس.

وقال صاحب اللسان: والخطمى: ضرب من النبات، يغسل به، وفي الصحاح: يغسل به الرأس. قال الأزهري: هو بفتح الخاء، ومن قال: خطمى بكسر الخاء فقد لحن، وفي المدونة عن مالك: لا يدخل المحرم الحمام، فإن دخله، وتدلك، وألقى الوسخ: افتدى. وقال اللخمي: أرى أن يفتدي، ولو لم يتدلك، لأن الشأن فيمن دخل الحمام، ثم اغتسل أن الشعث يذهب عنه، ولو لم يتدلك ا ه بواسطة نقل المواق.

فتحصل: أن مطلق الغسل الذي لا تنظيف فيه لا خلاف فيه إلا ما رواه مالك، عن ابن عمر: " أنه كان لا يغسل رأسه وهو محرم إلا من احتلام " وروى مالك في الموطأ، عن عمر بن الخطاب " أنه غسل رأسه، وهو محرم، وأمر يعلى بن منية: أن يصب على رأسه أي عمر الماء. وقال: اصبب، فلن يزيده الماء إلا شعثا ". وقد ثبت في الصحيحين جوازه، وأن إزالة الوسخ بالتدلك في الحمام، وغسل الرأس بالخطمى ونحو ذلك: فيه خلاف كما رأيت أقوال أهل العلم فيه.

وحجة من قال: إن التدلك وإزالة الوسخ لا شيء فيه حديث ابن عباس في المحرم الذي خر عن بعيره، ومات، ونهاهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يخمروا رأسه ووجهه، وعلل ذلك: بأنه يبعث ملبيا، ومع ذلك فقد أمرهم أن يغسلوه بماء وسدر، وذلك ثابت في الصحيح، وأن الأصل عدم الوجوب.

واحتج من منع إزالة الوسخ: بأن الوسخ من التفث وقد دلت آية

ثم ليقضوا تفثهم

[الحج: 29] على أن إزالة التفث: لا تجوز قبل وقت التحلل الأول.

واحتجوا أيضا بحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

" إن الله تعالى يباهي بأهل عرفات أهل السماء فيقول لهم: انظروا إلى عبادي جاؤوني شعثا غبرا "

قال النووي في شرح المهذب: رواه البيهقي، بإسناد صحيح.

وأخرج الترمذي، وابن ماجه، عن ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم قال:

" الحاج الشعث التفل "

وفيه إبراهيم بن يزيد الخوزي.

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أما مجرد الغسل الذي لا يزيده إلا شعثا كما قال عمر رضي الله عنه، فلا ينبغي أن يختلف فيه، لحديث أبي أيوب المتفق عليه، وأما التدلك في الحمام، وغسل الرأس بالخطمى، فلا نص فيه، والأحسن تركه احتياطا، وأما لزوم الفدية فيه فلا أعلم له دليلا يجب الرجوع إليه والعلم عنده الله تعالى.

وأما حكم من قتل بغسله رأسه قملا فلا أعلم في خصوص قتل المحرم القمل نصا من كتاب، ولا سنة.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٣٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٣٠٩