تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد قدمنا حكم المجامع ناسيا وأقوال الأئمة فيه. هذا هو حاصل كلام العلماء من الصحابة ومن بعدهم، ومنهم الأئمة الأربعة في مسألة الطيب.

وقد علمت من النقول التي ذكرنا عن الأئمة وغيرهم، من فقهاء الأمصار، ما اتفقوا عليه، وما اختلفوا فيه.

واعلم: أنهم مجمعون على منع الطيب للمحرم في الجملة، إلا أنهم اختلفوا في أشياء كثيرة، اختلافا من نوع الاختلاف في تحقيق المناط. فيقول بعضهم مثلآ: الريحان والياسمين، كلاهما طيب فمناط تحريمهما، على المحرم موجود، وهو كونهما طيبا، فيخالفه الآخر، ويقول: مناط التحريم، ليس موجودا فيهما، لأنهما لا يتخذ منهما الطيب، فليسا بطيب وهكذا.

واعلم: أنهم متفقون على لزوم الفدية في استعمال الطيب، ولا دليل من كتاب ولا سنة، على أن من استعمل الطيب، وهو محرم يلزمه فدية، ولكنهم قاسوا الطيب على حلق الرأس المنصوص على الفدية فيه، إن وقع لعذر في آية

فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك

[البقرة: 196].

وأظهر أقوال أهل العلم: أن الفدية اللازمة كفدية الأذى وهي على التخيير المذكور في الآية، لأنها هي حكم الأصل المقيس عليه، والمقرر في الأصول أنه لا بد من اتفاق الفرع المقيس، والأصل المقيس عليه في الحكم وذلك هو مذهب أبي حنيفة، إن كان التطيب، أو اللبس لعذر، لأن الآية نزلت في العذر. وقد قدمنا أنه هو الصحيح من مذهب الشافعي مطلقا كان لعذر أو غيره، وهو أيضا مذهب مالك وأحمد.

فتحصل: أن مذاهب الأئمة الأربعة متفقون على أن فدية الطيب، وتغطية الرأس، واللبس، وتقليم الأظافر، كفدية حلق الرأس المنصوصة في آية الفدية؟ وقد قدمنا الكلام عليها مستوفى، وقدمنا الأقوال المخالفة لهذا المذهب الصحيح المشهور عند الأربعة. وقد بينا أنه مقتضى الأصول، لوجوب اتفاق الأصل والفرع في الحكم، والعلم عند الله تعالى.

تنبيهان

الأول: في ذكر أشياء مما ذكر وردت فيها نصوص، وتفصيل ذلك: فمن ذلك العصفر وقد رأيت في النقول التي ذكرنا كثرة من قال من أهل العلم: بأنه ليس بطيب، وأنه لا بأس بلبس المحرم له، وقد قدمنا فيه حديث أبي داود المصرح بأنه لا بأس بلبس النساء له، وهن محرمات، وفيه ابن إسحاق، وقد صرح فيه بالسماع، فعلم أنه لم يدلس فيه إلى آخر ما قدمنا فيه، والظاهر بحسب الدليل: أن المعصفر لا يجوز لبسه، وإن جوزه كثير من أجلاء العلماء من الصحابة ومن بعدهم، لأن السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، أحق بالاتباع.

وقد قال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي عن يحيى، حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث:

" أن ابن معدان أخبره: أن عبدالله بن عمرو بن العاص، أخبره قال " رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم علي ثوبين معصفرين، فقال: إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها "

ا ه.

وابن معدان المذكور: هو خالد كما ثبت في صحيح مسلم بعد الحديث المذكور مباشرة، وفي لفظ لمسلم بإسناد، غير الأول،

" عن عبدالله بن عمرو قال رأى صلى الله عليه وسلم علي ثوبين معصفرين، فقال: أأمك أمرتك بهذا؟ قلت: أغسلهما قال: بل أحرقهما ".

وقال مسلم في صحيحه آنفا: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن نافع، عن إبراهيم بن عبدالله بن حنين، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه

" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: نهى عن لبس القسي، والمعصفر، وعن تختم الذهب وعن قراءة القرآن في الركوع "

وفي لفظ لمسلم،

" عن علي رضي الله عنه نهاني النبي صلى الله عليه وسلم عن القراءة، وأنا راكع، وعن لبس الذهب، والمعصفر " وفي لفظ لمسلم عنه أيضا رضي الله عنه " نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التختم بالذهب، وعن لباس القسى، وعن القراءة في الركوع والسجود، وعن لباس المعصفر " "

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٢٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٢٩٧