ا ه منه.
فهذا الحديث الثابت في صحيح مسلم، وغيره عن صحابيين جليلين، وهما علي، وعبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، صريح في منع لبس المعصفر مطلقا، لأن قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عبدالله بن عمرو
" إنهما من ثياب الكفار فلا تلبسهما "
صريح في منع لبسهما، لأن النهي يقتضي التحريم كما تقرر في الأصول، ويؤيد ذلك هنا أنه رتب النهي عنهما على أنهما من ثياب الكفار، وهذا دليل واضح على منع لبس المعصفر مطلقا في الإحرام وغيره. وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عبدالله بن عمرو
" بل أحرقهما "
فهو دليل واضح على منع لبسهما لأن لبس الجائز لبسه، لا يستوجب الإحراق بحال، فهو نص في منع المعصفر مطلقا، وقول علي رضي الله عنه
" نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس القسي والمعصفر، وعن تختم الذهب "
الحديث دليل أيضا على منع لبس المعصفر مطلقا. لأن النهي يقتضي التحريم، إلا لدليل صارف عنه، وليس موجودا، ويؤيده أنه قرنه بالتختم بالذهب، وهو ممنوع، وما زعمه بعض أهل العلم: من أن رواية علي المذكورة آنفا في مسلم
" نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم "
تدل على اختصاص هذا الحكم، بعلي لأنه قال: نهاني بياء المتكلم في الرواية المذكورة، مردود من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه صلى الله عليه وسلم بين في حديث ابن عمرو عموم هذا الحكم، حيث قال لعبد الله
" إن هذا من ثياب الكفار فلا تلبسها "
وهذا صريح في عدم اختصاص هذا الحكم، بعلي رضي الله عنه.
الوجه الثاني: أنه ثبت في صحيح مسلم، عن علي رضي الله عنه
" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: نهى عن لبس القسي، والمعصفر وعن تختم الذهب "
بحذف مفعول نهى، وحذف المفعول في ذلك، يدل على عموم الحكم، على التحقيق كما حرره القرافي في شرح التنقيح من أن مثل نهى صلى الله عليه وسلم عن كذا صيغة عموم بما لا يدع مجالا للشك؟ وممن انتصر لذلك: ابن الحاجب وغيره، واختاره الفهري.
والحاصل: أن التحقيق في مثل نهى صلى الله عليه وسلم، عن بيع الغرر وقضى بالشفعة، وقضى بالشاهد واليمين ونحو ذلك: أنه يعم كل غرر وكل شفعة، وكل شاهد، ويمين، وإن خالف في ذلك كثير من الأصوليين، كما حررنا أدلة الفريقين، وناقشناها في غير هذا الموضع.
الوجه الثالث: أن رواية نهاني التي احتج بها مدعي اختصاص هذا الحكم بعلي: تدل أيضا على عموم الحكم، لأن خطاب النبي صلى الله عليه وسلم لواحد من أمته يعم حكمه جميع الأمة لاستوائهم في أحكام التكليف، إلا بدليل خاص يجب الرجوع إليه، وخلاف أهل الأصول في خطاب الواحد، هل هو من صيغ العموم الدالة على عموم الحكم، خلاف في حال لا خلاف حقيقي، فخطاب الواحد عند الحنابلة صيغة عموم، وعند غيرهم من الشافعية، والمالكية وغيرهم: أن خطاب الواحد لا يعم، لأن اللفظ للواحد لا يشمل بالوضع غيره، وإذا كان لا يشمله وضعا، فلا يكون صيغة عموم، ولكن أهل هذا القول موافقون: على أن حكم خطاب الواحد عام لغيره لكن بدليل آخر غير خطاب الواحد، وذلك الدليل بالنص والقياس. أما القياس فظاهر، لأن قياس غير ذلك المخاطب عليه بجامع استواء المخاطبين في أحكام التكليف من القياس الجلي والنص، كقوله صلى الله عليه وسلم في مبايعة النساء
" إني لا أصافح النساء، وما قولي لامرأة واحدة إلا كقولي لمائة امرأة ".
قالوا: ومن أدلة ذلك حديث
" حكمي على الواحد حكمي على الجماعة ".
قال ابن قاسم العبادي في الآيات البينات: اعلم أن حديث
" حكمي على الواحد حكمي على الجماعة "
لا يعرف له أصل بهذا اللفظ، ولكن روى الترمذي وقال: حسن صحيح، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، قوله صلى الله عليه وسلم في مبايعة النساء
" إني لا أصافح النساء "
وساق الحديث كما ذكرناه.
وقال صاحب كشف الخفاء ومزيل الألباس، عما اشتهر من الأحاديث، على ألسنة الناس: حكمي على الواحد حكمي على الجماعة، وفي لفظ: كحكمي على الجماعة، ليس له أصل بهذا اللفظ، كما قال العراقي: في تخريج أحاديث البيضاوي. وقال في الدرر كالزركشي لا يعرف، وسئل عنه المزي، والذهبي فأنكراه. نعم يشهد له ما رواه الترمذي، والنسائي من حديث أميمة بنت رقيقة، فلفظ النسائي