الفرع الرابع: اعلم أنه لا خلاف بين من يعتد به من أهل العلم في أن المحرم يلبي في المسجد الحرام، ومسجد الخيف بمنى، ومسجد نمرة بقرب عرفات، لأنها مواضع نسك. واختلفوا في التلبية فيما سوى ذلك من المساجد.
وأظهر القولين عندي: أنه يلبي في كل مسجد، إلا أنه لا يرفع صوته رفعا يشوش على المصلين، والعلم عند الله تعالى.
الفرع الخامس: أظهر قولي أهل العلم عندي: أن المحرم يلبي في كل مكان في الأمصار وفي البراري، ونقل النووي عن العبدري أنه قال به أكثر الفقهاء. خلافا لمن قال: التلبية مسنونة في الصحارى، ولا يعجبني أن يلبي في المصر، والعلم عند الله تعالى.
المسألة الثالثة عشرة فيما يمتنع بسبب الإحرام على المحرم حتى يحل من إحرامه.
فمن ذلك ما صرح الله بالنهي عنه في كتابه في قوله
فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج
[البقرة: 197] والصيغة في قوله
فلا رفث ولا فسوق ولا جدال
[البقرة: 197] صيغة خبر أريد بها الإنشاء: أي فلا يرفث ولا يفسق، ولا يجادل، وقد تقرر في فن المعاني أن الصيغة قد تكون خبرية، والمراد بها الإنشاء لأسباب منها التفاؤل كقولك: رحم الله زيدا، فالصيغة خبرية، والمراد بها إنشاء الدعاء له بالرحمة، ومنها إظهار تأكيد الإتيان بالفعل، وإلزام ذلك كقوله تعالى:
هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله
[الصف: 10-11] الآية: أي آمنوا بالله بدليل جزم الفعل في قوله
يغفر لكم من ذنوبكم
[الأحقاف: 31 و نوح: 4] الآية فهو مجزوم بالطلب المراد بالخبر في قوله
تؤمنون بالله
[الصف: 11] أي آمنوا بالله، يغفر لكم ذنوبكم كقوله
قاتلوهم يعذبهم الله
[التوبة: 14] الآية
تعالوا أتل
[الأنعام: 151] الآية، ونحو ذلك، فالمسوغ لكون الصيغة في الآية خبرية، هو إظهار التأكد، واللزوم في الإتيان بالإيمان فعبر عنه بصيغة الخبر، لإظهار أنه يتأكد ويلزم أن يكون كالواقع بالفعل المخبر عن وقوعه، وكقوله تعالى
والوالدات يرضعن أولادهن
[البقرة: 233] الآية، وقوله
والمطلقات يتربصن بأنفسهن
[البقرة: 228] الآية. فالمراد الأمر بالإرضاع، والتربص وقد عبر عنه بصيغة خبرية لما ذكرنا، كما هو معروف في فن المعاني.
والأظهر في معنى الرفث في الآية أنه شامل لأمرين:
أحدهما: مباشرة النساء بالجماع ومقدماته.
والثاني: الكلام بذلك كأن يقول المحرم لامرأته: إن أحللنا من إحرامنا فعلنا كذا وكذا، ومن إطلاق الرفث على مباشرة المرأة كجماعها قوله تعالى
أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسآئكم
[البقرة: 187] فالمراد بالرفث في الآية: المباشرة بالجماع ومقدماته، ومن إطلاق الرفث على الكلام قول العجاج:
ورب أسراب حجيج كظم
عن اللغا ورفث التكلم
وقد قدمنا هذا البيت في سورة المائدة، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه لما أنشد وهو محرم قول الراجز:
وهن يمشين بنا هميسا
إن تصدق الطير ننك لميسا
فقيل له أترفث، وأنت محرم؟ قال: إنما الرفث: ما روجع به النساء، وفي لفظ: ما قيل من ذلك عند النساء.
والأظهر في معنى الفسوق في الآية أنه شامل لجميع أنواع الخروج عن طاعة الله تعالى، والفسوق في اللغة: ومنه قول العجاج:
يهوين في نجد وغورا غائرا
فواسقا عن قصدها جوائرا
يعني بقوله: فواسقا عن قصدها: خوارج عن جهتها التي كانت تقصدها.
والأظهر في الجدال في معنى الآية: أنه المخاصمة والمراء أي لا تخاصم صاحبك وتماره حتى تغضبه، وقال بعض أهل العلم: معنى لا جدال في الحج: أي لم يبق فيه مراء ولا خصومة، لأن الله أوضح أحكامه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك ما صرح الله بالنهي عنه في كتابه، من حلق شعر الرأس في قوله تعالى
ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله
[البقرة: 196] ومن ذلك تغطية المحرم الذكر رأسه لما ثبت في الصحيح، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: في المحرم الذي خر على راحلته فوقصته فمات