" صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن معه بالمدينة الظهر أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين، ثم بات بها، حتى أصبح، ثم ركب حتى استوت به على البيداء حمد الله وسبح، وكبر، ثم أهل بحج وعمرة، وأهل الناس بهما "
الحديث. ومراد ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل محرما حين استوت به راحلته قائمة من منزله بذي الحليفة، قبل أن يصل البيداء، ووجه الجمع بين حديث ابن عمر، وحديث ابن عباس، وأنس معروف عند أهل الحديث، وهو أنه صلى الله عليه وسلم ابتدأ إهلاله حين استوت به راحلته قائمة فسمعه قوم، ثم لما استوت به على البيداء أعاد تلبيته فسمعه آخرون لم يسمعوا تلبيته الأولى فحدث كل واحد منهم بما سمع.
وقال بعضهم: أحرم في مصلاه فسمعه بعضهم، ولم يسمعه ابن عمر، حتى استوت به راحلته، وجزم ابن عمر أنه ما أهل حتى استوت به راحلته يدل على أنه علم أنه لم يهل حتى استوت به، فالأحاديث متفقة ومراد ابن عمر بالإنكار والتكذيب خاص بمن زعم أنه لم يلب قبل وصوله البيداء، وهذا الجمع ذكره ابن حجر، عن أبي داود، والحاكم وقال ابن حجر في الفتح: فائدة البيداء هذه فوق علمي ذي الحليفة، لمن صعد من الوادي قاله أبو عبيد البكري وغيره. انتهى منه.
وإذا عرفت مما ذكرنا أول وقت التلبية. وأنه وقت انعقاد الإحرام فاعلم أن الصحيح الذي قام عليه الدليل: أن الحاج لا يقطع التلبية، حتى يشرع في رمي جمرة العقبة، وقال بعض أهل العلم: حتى ينتهي رميه إياها.
والدليل على أن القول هو الصواب دون غيره من أقوال أهل العلم هو ما ثبت في صحيح مسلم من حديث الفضل بن العباس رضي الله عنهم، وكان رديف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع من مزدلفة إلى منى، ففي لفظ لمسلم عن الفضل بن عباس:
" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة "
وقوله في هذا الحديث الصحيح: حتى بلغ الجمرة، هو حجة من قال: يقطع التلبية، عند الشروع في الرمي لأن بلوغ الجمرة هو وقت للشروع في الرمي وفي لفظ لمسلم، عن الفضل أيضا
" أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي، حتى رمى جمرة العقبة "
وقوله في هذا الحديث
" حتى رمى جمرة العقبة "
هو حجة من قال يلبي حتى ينتهي رميه، وفي صحيح مسلم من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، من طريق عبدالرحمن بن يزيد قال: قال عبدالله: ونحن بجمع سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة، يقول في هذا المقام
" لبيك اللهم لبيك "
وجمع هي المزدلفة. وهذا الحديث الصحيح يدل على تلبية النبي صلى الله عليه وسلم بمزدلفة بعد الرجوع من عرفة، وفي لفظ لابن مسعود عند مسلم أيضا: قال عبدالله: أنسي الناس أم ضلوا سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة يقول في هذا المكان:
" لبيك اللهم لبيك "
وفي لفظ عنه أيضا عند مسلم، من رواية عبد الرحمن بن يزيد والأسود بن يزيد قالا: سمعنا عبدالله بن مسعود يقول بجمع: سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة ههنا يقول
" لبيك اللهم لبيك "
ثم لبى ولبينا معه.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: فهذه النصوص الصحيحة، تدل على عدم قطع التلبية بعرفة، والأظهر أنه يقطعها عند الشروع في رمي العقبة، وأن رواية مسلم حتى رمى جمرة العقبة يراد به الشروع في رميها لا الانتهاء منه.
ومن القرائن الدالة على ذلك: ما ثبت في الروايات الصحيحة من التكبير مع كل حصاة فظرف الرمي لا يستغرق غير التكبير، مع الحصاة لتتابع رمي الحصيات.
قال الزرقاني في شرح الموطأ، ولابن خزيمة عن الفضل: أفضت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يزل يلبي، حتى رمى جمرة العقبة يكبر من كل حصاة، ثم قطع التلبية، مع آخر حصاة، قال ابن خزيمة: حديث صحيح مفسر لما أبهم في الرواية الأخرى، وأن المراد بقوله
" حتى رمى جمرة العقبة "
أتم رميها ا ه وعلى تقدير صحة هذه الرواية لا ينبغي العدول عنها.